البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
و استهلت هذه السنة و الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نازل بقصر تنكز بطريق داريا، و كتب السلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه و القبض، و أن يمسك و يرسل إلى الكرك، هذا و الأمراء يتوانون في أمره و يسوفون المراسيم، وقتا بعد وقت، و حينا بعد حين، و يحملهم على ذلك أن الأحمدي لا ذنب له، و متى مسكه تطرف إلى غيره، مع أن السلطان يبلغهم عنه أحوال لا نرضيهم من اللعب و الاجتماع مع الأراذل و الأطراف ببلد الكرك، مع قتله الفخرى و طشتمر قتلا فظيعا، و سلبه أهلهما و سلبه لما على الحريم من الثياب و الحلي، و إخراجهم في أسوإ حال من الكرك، و تقريبه النصارى و حضورهم عنده. فحمل الأمراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره، فلم يصل إليه، و رجع هاربا خائفا، فلما رجع و أخبر الأمراء انزعجوا و تشوشوا كثيرا، و اجتمعوا بسوق الخيل مرارا و ضربوا مشورة بينهم، فاتفقوا على أن يخلعوه، فكتبوا إلى المصريين بذلك، و أعلموا نائب حلب آيدغمش و نواب البلاد، و بقوا متوهمين من هذا الحال كثيرا و مترددين، و منهم من يصانع في الظاهر و ليس معهم في الباطن، و قالوا لا سمع له و لا طاعة حتى يرجع إلى الديار المصرية، و يجلس على سرير المملكة، و جاء كتابه إليهم يعيبهم و يعنفهم في ذلك، فلم يفد، و ركب الأحمدي في الموكب و ركبوا عن يمينه و شماله و راحوا إليه إلى القصر، فسلموا عليه و خدموه، و تفاقم الأمر و عظم الخطب، و حملوا هموما عظيمة خوفا من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين، فحمل الناس همهم فاللَّه هو المسئول أن يحسن العاقبة. فلما كان يوم الأحد السادس و العشرين من المحرم ورد مقدم البريدية و معه كتب المصريين بأنه لما بلغهم خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه، و لكن ترددوا خوفا من الشاميين أن يخالفوهم فيه و يتقدموا في صحبة السلطان لقتالهم، فلما اطمأنوا من جهة الشاميين صمموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد و ملكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد بن المنصور، جعله اللَّه مباركا على المسلمين، و أجلسوه على السرير يوم الثلاثاء العشرين من المحرم المذكور، و جاء كتابه مسلما على أمراء الشام و مقدميه، و جاءت كتب الأمراء على الأمراء بالسلام و الأخبار بذلك ففرح المسلمون و أمراء الشام و الخاصة و العامة بذلك فرحا شديدا، و دقت البشائر بالقلعة المنصورة يومئذ، و رسم بتزيين البلد فزين الناس صبيحة الثلاثاء السابع و العشرين منه، و لما كان يوم الجمعة سلخ المحرم خطب بدمشق للملك الصالح عماد الدنيا و الدين إسماعيل بن الناصر بن المنصور.
و في يوم الخميس سادس صفر درس بالصدرية صاحبنا الامام العلامة شمس الدين محمد بن أبى بكر بن أيوب الذرعى إمام الجوزية، و حضر عنده الشيخ عز الدين بن المنجا الّذي نزل له عنها، و جماعة من الفضلاء. و في يوم الاثنين سادس عشر صفر دخل الأمير سيف الدين تغردمر من الديار