البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٦ - قضية القاضي ابن جملة
شرف الدين المالكي بفسقه و عزله و سجنه، فانفض المجلس على ذلك، و رسم على ابن جملة بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقا و الحمد للَّه وحده، و كان له في القضاء سنة و نصف إلا أياما، و كان يباشر الأحكام جيدا، و كذا الأوقاف المتعلقة به، و فيه نزاهة و تمييز الأوقاف بين الفقهاء و الفقراء، و فيه صرامة و شهامة و إقدام، لكنه أخطأ في هذه الواقعة، و تعدى فيها فآل أمره إلى هذا.
و خرج الركب يوم الاثنين عاشر شوال و أميره الجىبغا و قاضيه مجد الدين ابن حيان المصري و في يوم الاثنين رابع عشرينه درس بالإقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضى القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الأصبهاني ابن العجمي الحبطى، و يعرف بابن الحنبلي، و كان فاضلا دينا متقشفا كثير الوسوسة في الماء جدا، و أما المدرس مكانه و هو نجم الدين بن الحنفي فإنه ابن خمس عشرة سنة، و هو في النباهة و الفهم، و حسن الاشتغال و الشكل و الوقار، بحيث غبط الحاضرون كلهم أباه على ذلك، و لهذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه، نزل له عنه و حمدت سيرته و أحكامه.
و في هذا الشهر أثبت محضر في حق الصاحب شمس الدين غبريال المتوفى هذه السنة أنه كان يشترى أملاكا من بيت المال و يوقفها و يتصرف فيها تصرف الملاك لنفسه، و شهد بذلك كمال الدين الشيرازي و ابن أخيه عماد الدين و علاء الدين القلانسي و ابن خاله عماد الدين القلانسي، و عز الدين ابن المنجا، و تقى الدين ابن مراجل، و كمال الدين بن الغويرة، و أثبت على القاضي برهان الدين الزرعى الحنبلي و نفذه بقية القضاة، و امتنع المحتسب عز الدين ابن القلانسي من الشهادة فرسم عليه بالعذراوية قريبا من شهر، ثم أفرج عنه و عزل عن الحسبة، و استمر على نظر الخزانة.
و في يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة حملت خلعة القضاء إلى الشيخ شهاب الدين ابن المجد وكيل بيت المال يومئذ، فلبسها و ركب إلى دار السعادة و قرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة و القضاة ثم رجع إلى مدرسته الاقبالية فقرئ بها أيضا و حكم بين خصمين، و كتب على أوراق السائلين، و درس بالعادلية و الغزالية و الاتابكيتين مع تدريس الاقبالية عوضا عن ابن جملة. و في يوم الجمعة حضر الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى و في صحبته صاحب حماة الأفضل، فتلقاهما تنكز و أكرمهما، و صليا الجمعة عند النائب ثم توجها إلى مصر، فتلقاهما أعيان الأمراء و أكرم السلطان مهنا بن عيسى و أطلق له أموالا جزيلة كثيرة، من الذهب و الفضة و القماش، و أقطعه عدة قرى و رسم له بالعود إلى أهله، ففرح الناس بذلك، قالوا و كان جميع ما أنعم به عليه السلطان قيمة مائة ألف دينار، و خلع عليه و على أصحابه مائة و سبعين خلعة.
و في يوم الأحد سادس الحجة حضر درس الرواحية الفخر المصري عوضا عن قاضى القضاة