البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٧ - عجيبة من عجائب الدهر
الأمير سيف الدين رقطية نائب طرابلس، و أميران آخران، و التقت العساكر و الأمراء، و جاءت البشارة إلى دمشق قبل الظهر ففرح الناس فرحا شديدا جدا، الرجال و النساء و الولدان، حتى من لا نوبة له، و دقت البشائر بالقلعة المنصورة، فأرسلوا في طلب من هرب، و جلس الفخرى هنالك بقية اليوم يحلف الأمراء على أمره الّذي جاء له، فحلفوا له، و دخل دمشق عشية يوم الخميس في أبهة عظيمة، و حرمة وافرة، فنزل القصر الأبلق و نزل الأمير تغردمر بالميدان الكبير، و نزل عمارى بدار السعادة و أخرجوا الموساوى الّذي كان معتقلا بالقلعة، و جعلوه مشدا على حوطات حواصل الطنبغا و كان قد تغضب الفخرى على جماعة من الأمراء منهم الأمير حسام الدين السمقدار، أمير حاجب بسبب أنه صاحب لعلاء الدين الطنبغا، فلما وقع ما وقع هرب فيمن هرب، و لكن لم يأت الفخرى، بل دخل البلد فتوسط في الأمر: لم يذهب مع ذاك و لا جاء مع هذا، ثم إنه استدرك ما فاته فرجع من البار إلى الفخرى، و قيل بل رسم عليه حين جاء و هو مهموم جدا، ثم إنه أعطى منديل الأمان، و كان معهم كاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل اللَّه، ثم أفرج عنهم، و منهم الأمير سيف الدين حفطية و كان شديد الحنق عليه، فأطلقه من يومه و أعاده إلى الحجوبية، و أظهر مكارم أخلاق عظيمة، و رياسة كبيرة، و كان للقاضي علاء الدين بن المنجا قاضى قضاة الحنابلة في هذه الكائنة سعى مشكور، و مراجعة كبيرة للأمير علاء الدين الطنبغا، حتى خيف عليه منه، و خاطر بنفسه معه، فأنجح اللَّه مقصده و سلمه منه، و كبت عدوه و للَّه الحمد و المنة.
و في يوم السبت السادس و العشرين منه قلد قضاء العساكر المنصورة الشيخ فخر الدين بن الصائغ عوضا عن القاضي الحنفي، الّذي كان مع النائب المنفصل، و ذلك أنهم نقموا عليه إفتاءه الطنبغا بقتال الفخرى، و فرح بولايته أصحاب الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه)، و ذلك لأنه من أخص من صحبه قديما، و أخذ عنه فوائد كثيرة و علوما.
و في يوم الأربعاء سلخ رجب آخر النهار قدم الأمير قماري من عند الملك الناصر بن الناصر من الكرك و أخبره بما جرى من أمرهم و أمر الطنبغا، ففرح بذلك و أخبر قماري بقدوم السلطان ففرح الناس بذلك و استعدوا له بآلات المملكة و كثرت مطالبته أرباب الأموال و الذمة بالجزية.
و في مستهل رجب من هذه السنة ركب الفخرى في دست النيابة بالموكب المنصور، و هو أول ركوبه فيه، و إلى جانبه قماري و على قماري خلعة هائلة، و كثر دعاء الناس للفخري يومئذ، و كان يوما مشهودا. و في هذا اليوم خرج جماعة من المقدمين الألوف إلى الكرك بأخبار ابن السلطان بما جرى: منهم تغردمر و أقبغا عبد الواحد و هو الساقي، و ميكلى بغا و غيرهم. و في يوم السبت ثالثه استدعى الفخرى القاضي الشافعيّ و ألح عليه في احضار الكتب في سلة الحكم التي كانت أخذت من