البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦ - أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية
ذكر ما جرى للشيخ تقى الدين بن تيمية
«مع الأحمدية و كيف عقدت له المجالس الثلاثة» و في يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق و حضر الشيخ تقى الدين بن تيمية فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أن يكف الشيخ تقى الدين إمارته عنهم، و أن يسلم لهم حالهم، فقال لهم الشيخ: هذا ما يمكن. و لا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب و السنة، قولا و فعلا، و من خرج عنهما وجب الإنكار عليه. فأرادوا أن يفعلوا شيئا من أحوالهم الشيطانية التي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال الشيخ تلك أحوال شيطانية باطلة، و أكثر أحوالهم من باب الحيل و البهتان، و من أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام و ليغسل جسده غسلا جيدا و يدلكه بالخل و الأشنان ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقا، و لو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فان ذلك لا يدل على صلاحه و لا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك، فابتدر شيخ المنيبع الشيخ صالح و قال: نحن أحوالنا إنما تنفق عند التتر ليست تنفق عند الشرع، فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة، و كثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، و أن من خرج عن الكتاب و السنة ضربت عنقه. و صنف الشيخ جزءا في طريقة الأحمدية، و بين فيه أحوالهم و مسالكهم و تخيلاتهم، و ما في طريقتهم من مقبول و مردود بالكتاب، و أظهر اللَّه السنة على يديه و أخمد بدعتهم و للَّه الحمد و المنة.
و في العشر الأوسط من هذا الشهر خلع على جلال الدين بن معبد و عز الدين خطاب، و سيف الدين بكتمر مملوك بكتاش الحسامى بالإمرة و لبس التشاريف، و ركبوا بها و سلموا لهم جبل الجرد و الكسروان و البقاع. و في يوم الخميس ثالث رجب خرج الناس للاستسقاء إلى سطح المزة و نصبوا هناك منبرا و خرج نائب السلطنة و جميع الناس من القضاة و العلماء و الفقراء، و كان مشهدا هائلا و خطبة عظيمة بليغة، فاستسقوا فلم يسقوا يومهم ذلك.
أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية
و في يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاة و العلماء و فيهم الشيخ تقى الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر و قرئت عقيدة الشيخ تقى الدين الواسطية، و حصل بحث في أماكن منها، و أخرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثانى عشر الشهر المذكور و حضر الشيخ صفى الدين الهندي، و تكلم مع الشيخ تقى الدين كلاما كثيرا، و لكن ساقيته لاطمت بحرا، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزملكانى هو الّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في