البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٨ - أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية
إلى مصر، و قال له أنا أكاتب السلطان في ذلك و أصلح القضايا، فامتنع الشيخ من ذلك، و ذكر له أن في توجهه لمصر مصلحة كبيرة، و مصالح كثيرة، فلما توجه لمصر ازدحم الناس لوداعه و رؤيته حتى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة، فيما بين دمشق و الكسوة، و هم فيما بين باك و حزين و متفرج و متنزه و مزاحم متغال فيه. فلما كان يوم السبت دخل الشيخ تقى الدين غزة فعمل في جامعها مجلسا عظيما، ثم دخلا معا إلى القاهرة و القلوب معه و به متعلقة، فدخلا مصر يوم الاثنين الثاني و العشرين من رمضان، و قيل إنهما دخلاها يوم الخميس، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة عقد للشيخ مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة و أكابر الدولة و أراد أن يتكلم على عادته فلم يتمكن من البحث و الكلام، و انتدب له الشمس ابن عدنان خصما احتسابا، و ادعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنه يقول إن اللَّه فوق العرش حقيقة، و أن اللَّه يتكلم بحرف و صوت، فسأله القاضي جوابه فأخذ الشيخ في حمد اللَّه و الثناء عليه، فقيل له أجب ما جئنا بك لتخطب، فقال: و من الحاكم في؟ فقيل له القاضي المالكي. فقال له الشيخ كيف تحكم في و أنت خصمي، فغضب غضبا شديدا و انزعج و أقيم مرسما عليه و حبس في برج أياما ثم نقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجب، هو و أخوه شرف الدين عبد اللَّه و زين الدين عبد الرحمن.
و أما ابن صصريّ فإنه جدد له توقيع بالقضاء بإشارة المنبجى شيخ الجاشنكير حاكم مصر، و عاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة و القلوب له ماقتة، و النفوس منه نافرة، و قرئ تقليده بالجامع و بعده قرئ كتاب فيه الحط على الشيخ تقى الدين و مخالفته في العقيدة، و أن ينادى بذلك في البلاد الشامية، و ألزم أهل مذهبه بمخالفته، و كذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير و شيخه نصر المنبجى، و ساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء و الفقراء، و جرت فتن كثيرة منتشرة، نعوذ باللَّه من الفتن، و حصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، و ذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مزجى البضاعة، و هو شرف الدين الحراني، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، و صارت حالهم حالهم، و في شهر رمضان جاء كتاب من مقدم الخدام بالحرم النبوي يستأذن السلطان في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مئذنة عند باب السلام الّذي عند المطهرة، فرسم له بذلك، و كان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما ألف دينار، فباع ذلك و شرع في بنائها و ولى سراج الدين عمر قضاءها مع الخطابة فشق ذلك على الروافض.
و في يوم الخميس ثانى عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بن إبراهيم بن داود الأذرعي الحنفي قضاء الحنفية عوضا [عن شمس الدين ابن الحسيني معزولا و بتولية الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين الفزاري خطابة دمشق عوضا] [١] عن عمه
[١] سقط من المصرية.