البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧ - أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية
ذلك، و شكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزملكانى و جودة ذهنه و حسن بحثه حيث قاوم ابن تيمية في البحث، و تكلم معه، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، و عاد الشيخ إلى منزله معظما مكرما، و بلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر إلى القصاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء، و كان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضى المالكية ابن مخلوف، و الشيخ نصر المنبجى شيخ الجاشنكير و غيرهما من أعدائه، و ذلك أن الشيخ تقى الدين بن تيمية كان يتكلم في المنبجى و ينسبه إلى اعتقاد ابن عربي و كان للشيخ تقى الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، و انفراده بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و طاعة الناس له و محبتهم له و كثرة أتباعه و قيامه في الحق، و علمه و عمله، ثم وقع بدمشق خبط كثير و تشويش بسبب غيبة نائب السلطنة، و طلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ و عزر بعضهم ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المزي الحافظ قرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاريّ تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين و شكاه إلى القاضي الشافعيّ ابن صصريّ، و كان عدو الشيخ فسجن المزي، فبلغ الشيخ تقى الدين فتألم لذلك و ذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، و راح إلى القصر فوجد القاضي هنالك، فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المزي، فحلف ابن صصريّ لا بد أن يعيده إلى السجن و إلا عزل نفسه فأمر النائب بإعادته تطييبا لقلب القاضي فحبسه عنده في القوصية أياما ثم أطلقه. و لما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقى الدين ما جرى في حقه و حق أصحابه في غيبته، فتألم النائب لذلك و نادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد، و من عاد إلى تلك حل ماله و دمه و رتبت داره و حانوته، فسكنت الأمور.
و قد رأيت فصلا من كلام الشيخ تقى الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات.
ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر و اجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة و في هذا اليوم عزل ابن صصريّ نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في المجلس المذكور، و هو من الشيخ كمال الدين بن الزملكانى، ثم جاء كتاب السلطان في السادس و العشرين من شعبان فيه إعادة ابن صصريّ إلى القضاء، و ذلك بإشارة المنبجى، و في الكتاب إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقى الدين بن تيمية، و قد بلغنا ما عقد له من المجالس، و أنه على مذهب السلف و إنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه، ثم جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الاثنين و فيه الكشف عن ما كان وقع للشيخ تقى الدين بن تيمية في أيام جاغان، و القاضي إمام الدين القزويني و أن يحمل هو و القاضي ابن صصريّ إلى مصر، فتوجها على البريد نحو مصر، و خرج مع الشيخ خلق من أصحابه و بكوا و خافوا عليه من أعدائه، و أشار عليه نائب السلطنة ابن الأفرم بترك الذهاب