البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - نبيه على واقعة غريبة و اتفاق عجيب
فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه و بين اللَّه تعالى فهو أعلم بنيته في الّذي يقصده، و لا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة على ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقة، و إن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة و الأمراء عليه، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة و المشايخ أولا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقة و اللَّه الموفق للصواب.
هذا و قد اجتمع على الأمير نائب السلطنة جميع أمراء الشام، حتى قيل إن فيهم من نواب السلطنة سبعة عشر أميرا، و كلهم يحضر معه المواكب الهائلة، و ينزلون معه إلى دار السعادة، و يمد لهم الأسمطة و يأكل معهم، و جاء الخبر بأن الأمير منجك الطرجاقسى المقيم ببيت المقدس قد أظهر الموافقة لنائب السلطنة، فأرسل له جبريل ثم عاد فأخبر بالموافقة، و أنه قد استحوذ على غزة و نائبة، و قد جمع و حشد و استخدم طوائف، و مسك على الجادة فلا يدع أحدا يمر إلا أن يفتش ما معه، لاحتمال إيصال كتب من هاهنا إلى هاهنا، و مع هذا كله فالمعدلة ثابتة جدا، و الأمن حاصل هناك، فلا يخاف أحد، و كذلك بدمشق و ضواحيها، لا يهاج أحد و لا يتعدى أحد على أحد، و لا ينهب أحد لأحد شيئا و للَّه الحمد، غير أن بعض أهل البساتين توهموا و ركبوا إلى المدينة و تحولوا، و أودع بعضهم نفائس ما عندهم، و أقاموا بها على وجل، ذلك لما رأوا المجانيق الستة منصوبة على رءوس قلال الأبراج التي للقلعة، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة و الأمراء كلهم و كتبوا مكتوبا سطره بينهم كاتب السر، أنهم راضون بالسلطان كارهون ليلبغا، و أنهم لا يريدونه و لا يوافقون على تصرفه في المملكة، و شهد عليهم القضاة بذلك، و أرسلوا المكتوب مع مملوك للأمير طيبغا الطويل، نظير يلبغا بالديار المصرية، و أرسل منجك إلى نائب السلطنة يستحثه في الحضور إليه في الجيش ليناجزوا المصريين، فعين نائب الشام من الجيش طائفة يبرزون بين يديه، و خرجت التجريدة ليلة السبت التاسع و العشرين من شعبان صحبة استدمر الّذي كان نائب الشام مددا للأمير منجك في ألفين، و يذكر الناس أن نائب السلطنة بمن بقي من الجيش يذهبون على إثرهم، ثم خرجت أخرى بعدها ثلاثة آلاف، ليلة الثلاثاء الثامن من رمضان كما سيأتي.
و توفى الشيخ الحافظ علاء الدين مغلطاى المصري بها في يوم الثلاثاء الرابع و العشرين من شعبان من هذه السنة، و دفن من الغد بالزيدانية، و قد كتب الكثير و صنف و جمع، و كانت عنده كتب كثيرة (رحمه اللَّه).
و في مستهل رمضان أحضر جماعة من التجار إلى دار العدل ظاهر باب النصر ليباع شيء عليهم من القند و الفولاذ و الزجاج مما هو في حواصل يلبغا، فامتنعوا من ذلك خوفا من استعادته منهم على