البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة
و في صبيحة مستهل ذي القعدة خرج المنجنيق قاصدا إلى الكرك على الجمال و العجل، و صحبته الأمير صارم الدين إبراهيم المسبقي، أمير حاجب، كان في الدولة السكرية، و هو المقدم عليه يحوطه و يحفظه و يتولى تسييره بطلبه و أصحابه، و تجهز الجيش للذهاب إلى الكرك، و تأهبوا أتم الجهاز، و برزت أثقالهم إلى ظاهر البلد و ضربت الخيام فاللَّه يحسن العاقبة.
و في يوم الاثنين رابعه توفى الطواشى شبل الدولة كافور السكرى، و دفن صبيحة يوم الثلاثاء خامسه في تربته التي أنشأها قديما ظاهر باب الجابية تجاه تربة الطواشى ظهير الدين الخازن بالقلعة، كان قبيل مسجد الدبان (رحمه اللَّه)، و كان قديما للصاحب تقى الدين توبة التكريتي، ثم اشتراه تنكز بعد مدة طويلة من ابني أخيه صلاح الدين و شرف الدين بمبلغ جيد و عوضهما إقطاعا بزيادة على ما كان بأيديهما، و ذلك رغبة في أمواله التي حصلها من أبواب السلطنة، و قد تعصب عليه أستاذه تنكز (رحمه اللَّه) في وقت و صودر و جرت عليه فصول، ثم سلم بعد ذلك، و لما مات ترك أموالا جزيلة و أوقافا (رحمه اللَّه). و خرجت التجريدة يوم الأربعاء سادسه و المقدم عليها الأمير بدر الدين بن الخطير و معه مقدم آخر و هو الأمير علاء الدين بن قراسنقر.
و في يوم السبت سلخ هذا الشهر توفى الشاب الحسن شهاب الدين أحمد بن فرج المؤذن بمأذنة العروس، و كان شهيرا بحسن الصوت ذا حظوة عظيمة عند أهل البلد، و كان (رحمه اللَّه) كما في النفس و زيادة في حسن الصوت الرخيم المطرب، و ليس في القراء و لا في المؤذنين قريب منه و لا من يدانيه في وقته، و كان في آخر وقته على طريقة حسنة، و عمل صالح، و انقطاع عن الناس، و إقبال على شأن نفسه ف(رحمه اللَّه)، و أكرم مثواه، و صلى عليه بعد الظهر يومئذ و دفن عند أخيه بمقبرة الصوفية.
و في يوم الخميس خامس ذي الحجة توفى الشيخ بدر الدين بن نصحان شيخ القراء السبع في البلد الشهير بذلك، و صلى عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ، و دفن بباب الفراديس (رحمه اللَّه).
و في يوم الأحد تاسعه و هو يوم عرفة حضر الأقراء بتربة أم الصالح عوضا عن الشيخ بدر الدين ابن نصحان القاضي شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي، و حضر عنده جماعة من الفضلاء، و بعض القضاة، و كان حضوره بغتة، و كان متمرضا، فألقى شيئا من القراءات و الاعراب عند قوله تعالى وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ و في أواخر هذا الشهر غلا السعر جدا و قل الخبز و ازدحم الناس على الافران زحمة عظيمة، و بيع خبز الشعير المخلوط بالزيوان و النقارة، و بلغت الغرارة بمائة و ستة و ثمانين درهما، و تقلص السعر جدا حتى بيع الخبز كل رطل بدرهم، و فوق ذلك بيسير، و دونه بحسب طيبه و رداءته، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كثر السؤال و جاع العيال، و ضعف كثير من الأسباب و الأحوال، و لكن لطف اللَّه عظيم فان الناس مترقبون مغلا