البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - عجيبة من عجائب الدهر
القضاة و نوابهم و جماعة من الفقهاء فخرجوا و رجع الشافعيّ من أثناء الطريق، فلما وصلوا أمرهم بالسعي بينه و بين الطنبغا في الصلح، و أن يوافق الفخرى في أمره، و أن يبايع الناصر بن الناصر، فأبى فردهم إليه غير مرة، و كل ذلك يمتنع عليهم، فلما كان يوم الاثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولى البلد عند العصر من جهة الفخرى يأمره بغلق أبواب البلد، فغلقت الأبواب، و ذلك لان العساكر توجهوا و تواقفوا للقتال، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و ذلك أن الطنبغا لما علم أن جماعة قطلوبغا على ثنية العقاب دار الذروة من ناحية المعيصرة، و جاء بالجيوش من هناك، فاستدار له الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى بجماعته إلى ناحيته، و وقف له في طريقه، و حال بينه و بين الوصول إلى البلد، و انزعج الناس انزعاجا عظيما، و غلقت القياسر و الأسواق و خاف الناس بعضهم من بعض أن يكون نهب، فركب متولى البلد الأمير ناصر الدين بن بكباشى و معه أولاده و نوابه و الرجالة، فسار في البلد و سكن الناس و دعوا له، فلما كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو من أهل البلد، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة، و تسخط الجند على الناس في هذه الليلة، و اتفق أنها ليلة الميلاد، و بات المسلمون مهمومون بسبب العسكر و اختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقة في يوم الثلاثاء سوى باب الجابية، و الأمر على ما هو عليه، فلما كان عشية هذا اليوم تقارب الجيشان و اجتمع الطنبغا و أمراؤه، و اتفق أمراء دمشق و جمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلما و لا يسلوا في وجه الفخرى و أصحابه سيفا، و كان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مرارا للصلح، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو عليه، و قويت نفسه عليه انتهى. و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب.
عجيبة من عجائب الدهر
فبات الناس متقابلين في هذه الليلة و ليس بين الجيشين إلا مقدار ميلين أو ثلاثة، و كانت ليلة مطيرة، فما أصبح الصبح إلا و قد ذهب من جماعة الطنبغا إلى الفخرى خلق كثير من أجناد الحلفاء و من الأمراء و الأعيان، و طلعت الشمس و ارتفعت قليلا فنفذ الطنبغا القضاة و بعض الأمراء إلى الفخرى يتهدده و يتوعده و يقوى نفسه عليه. فما ساروا عنه قليلا إلا ساقت العساكر من الميمنة و الميسرة و من القلب، و من كل جانب مقفرين إلى الفخرى، و ذلك لما هم فيه من ضيق العيش و قلة ما بأيديهم من الأطعمة و علف الدواب، و كثرة ما معهم من الكلف، فرأوا أن هذا حال يطول عليهم، و مقتوا أمرهم غاية المقت، و تطايبت قلوبهم و قلوب أولئك مع أهل البلد على كراهته لقوة نفسه فيما لا يجدي عليه و لا عليهم شيئا، فبايعوا على المخامرة عليه، فلم يبق معه سوى حاشيته في أقل من ساعة واحدة، فلما رأى الحال على هذه الصفة كر راجعا هاربا من حيث جاء و صحبته