البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبويّة
الصدر شمس الدين
محمد بن سليمان بن حمايل بن على المقدسي المعروف بابن غانم، و كان من أعيان الناس و أكثرهم مروءة، و درس بالعصرونية، توفى و قد جاوز الثمانين، كان من الكتاب المشهورين المشكورين، و هو والد الصدر علاء الدين بن غانم.
الشيخ جمال الدين أبو محمد
عبد الرحيم بن عمر بن عثمان الباجريقي الشافعيّ، أقام مدة بالموصل يشتغل و يفتى، ثم قدم دمشق عام قازان فمات بها، و كان قد أقام بها مدة كذلك، و درس بالقليجية و الدولعية، و ناب في الخطابة و درس بالغزالية نيابة عن الشمس الأيكي، و كان قليل الكلام مجموعا عن الناس، و هو والد الشمس محمد المنسوب إلى الزندقة و الانحلال، و له أتباع ينسبون إلى ما ينسب إليه، و يعكفون على ما كان يعكف عليه، و قد حدث جمال الدين المذكور بجامع الأصول عن بعض أصحاب مصنفات ابن الأثير، و له نظم و نثر حسن، و اللَّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبويّة
استهلت و الخليفة و السلطان و نواب البلاد و الحكام بها هم المذكورون في التي قبلها، غير الشافعيّ و الحنفي، و لما كان ثالث المحرم جلس المستخرج لاستخلاص أجرة أربعة أشهر عن جميع أملاك الناس و أوقافهم بدمشق، فهرب أكثر الناس من البلد، و جرت خبطة قوية و شق ذلك على الناس جدا.
و في مستهل صفر وردت الأخبار بقصد التتر بلاد الشام، و أنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك و ازدادوا ضعفا على ضعفهم، و طاشت عقولهم و ألبابهم، و شرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر و الكرك و الشوبك و الحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة و بيع الجمل بألف و الحمار بخمسمائة، و بيعت الأمتعة و الثياب و المغلات بأرخص الأثمان، و جلس الشيخ تقى الدين ابن تيمية في ثانى صفر بمجلسه في الجامع و حرض الناس على القتال، و ساق لهم الآيات و الأحاديث الواردة في ذلك، و نهى عن الاسراع في الفرار، و رغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين و بلادهم و أموالهم، و أن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل اللَّه كان خيرا، و أوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة، و تابع المجالس في ذلك، و نودي في البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم و ورقة فتوقف الناس عن السير و سكن جأشهم، و تحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر و دقت البشائر لخروجه، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صصريّ و بيت ابن فضل اللَّه و ابن منجا و ابن سويد و ابن الزملكانى و ابن جماعة.
و في أول ربيع الآخر قوى الإرجاف بأمر التتر، و جاء الخبر بأنهم قد وصلوا إلى البيرة و نودي