البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥ - ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبويّة
في البلد أن تخرج العامة مع العسكر، و جاء مرسوم النائب من المرج بذلك، فاستعرضوا في أثناء الشهر فعرض نحو خمسة آلاف من العامة بالعدة و الاسلحة على قدر طاقتهم، و قنت الخطيب ابن جماعة في الصلوات كلها، و اتبعه أئمة المساجد، و أشاع المرجفون بأن التتر قد وصلوا إلى حلب و أن نائب حلب تقهقر إلى حماة، و نودي في البلد بتطييب قلوب الناس و إقبالهم على معايشهم، و أن السلطان و العساكر واصلة، و أبطل ديوان المستخرج و أقيموا، و لكن كانوا قد استخرجوا أكثر مما أمروا به و بقيت بواقى على الناس الذين قد اختفوا فعفى عما بقي، و لم يرد ما سلف، لا جرم أن عواقب هذه الأفعال خسر و نكر، و أن أصحابها لا يفلحون، ثم جاءت الاخبار بأن سلطان مصر رجع عائدا إلى مصر بعد أن خرج منها قاصدا الشام، فكثر الخوف و اشتد الحال، و كثرت الامطار جدا، و صار بالطرقات من الاوحال و السيول ما يحول بين المرء و بين ما يريده من الانتشار في الأرض و الذهاب فيها، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و خرج كثير من الناس خفافا و ثقالا يتحملون بأهليهم و أولادهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، و جعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد و المشقة على الدواب و الرقاب، و قد ضعفت الدواب من قلة العلف مع كثرة الأمطار و الزلق و البرد الشديد و الجوع و قلة الشيء فلا حول و لا قوة إلا باللَّه.
و استهل جمادى الاولى و الناس على خطة صعبة من الخوف، و تأخر السلطان و اقترب العدو، و خرج الشيخ تقى الدين بن تيمية (رحمه اللَّه تعالى) في مستهل هذا الشهر و كان يوم السبت إلى نائب الشام في المرج فثبتهم و قوى جأشهم و طيب قلوبهم و وعدهم النصر و الظفر على الأعداء، و تلا قوله تعالى وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ و بات عند العسكر ليلة الأحد ثم عاد إلى دمشق و قد سأله النائب و الأمراء أن يركب على البريد إلى مصر يستحث السلطان على المجيء فساق وراء السلطان، و كان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا و قد دخل القاهرة و تفارط الحال، و لكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة، و قال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام و حمايته أقمنا له سلطانا يحوطه و يحميه و يستغله في زمن الأمن، و لم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام، ثم قال لهم: لو قدر أنكم لستم حكام الشام و لا ملوكه و استنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف و أنتم حكامه و سلاطينه و هم رعائكم و أنتم مسئولون عنهم، و قوى جأشهم و ضمن لهم النصر هذه الكرة، فخرجوا إلى الشام، فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحا شديدا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم و أهليهم و أموالهم، ثم قويت الأراجيف بوصول التتر، و تحقق عود السلطان إلى مصر، و نادى ابن النحاس متولى البلد في الناس من قدر على السفر فلا يقعد بدمشق، فتصايح النساء و الولدان، و رهق الناس