البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٩ - ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه)
تكون جنائز أئمة السنة فتباكى الناس و ضجوا عند سماع هذا الصارخ و وضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، و جلس الناس من كثرتهم و زحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جو الجامع و بري الأزقة و الأسواق، و ذلك قبل أذان الظهر بقليل، و جاء الناس من كل مكان، و نوى خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا اليوم لأكل و لا لشرب، و كثر الناس كثرة لا تحد و لا توصف، فلما فرغ من أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماما، و هو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من أبواب الجامع و البلد كما ذكرنا، و اجتمعوا بسوق الخيل، و من الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع إلى مقابر الصوفية، و الناس في بكاء و تهليل في مخافتة كل واحد بنفسه، و في ثناء و تأسف، و النساء فوق الاسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين و يدعين و يقلن هذا العالم.
و بالجملة كان يوما مشهودا لم يعهد مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بنى أمية حين كان الناس كثيرين، و كانت دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريبا من أذان العصر على التحديد، و لا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، و تقريب ذلك أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل البلد و حواضره و لم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار و المخدرات، و ما علمت أحدا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلف عن الحضور في جنازته، و هم ثلاثة أنفس: و هم ابن جملة، و الصدر، و القفجارى، و هؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا و أهلكهم الناس، و تردد شيخنا الامام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة و كذلك جماعة من علماء الشافعية، و كان برهان الدين الفزاري يأتى راكبا على حماره و عليه الجلالة و الوقار (رحمه اللَّه).
و عملت له ختمات كثيرة و رئيت له منامات صالحة عجيبة، و رثى بأشعار كثيرة و قصائد مطولة جدا. و قد أفردت له تراجم كثيرة، و صنف في ذلك جماعة من الفضلاء و غيرهم، و سألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه و فضائله و شجاعته و كرمه و نصحه و زهادته و عبادته و علومه المتنوعة الكثيرة المجودة و صفاته الكبار و الصغار، التي احتوت على غالب العلوم و مفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب و السنة و أفتى بها.
و بالجملة كان (رحمه اللَّه) من كبار العلماء و ممن يخطئ و يصيب و لكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، و خطؤه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله