البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - ذكر وفاة شيخ الإسلام أبى العباس تقى الدين أحمد بن تيمية (قدس اللَّه روحه)
و امتلأ الجامع أيضا و صحنه و الكلاسة و باب البريد و باب الساعات إلى باب اللبادين و الغوارة، و حضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك و وضعت في الجامع، و الجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، و صلى عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولا الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، و قد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب و الأزقة و الأسواق بأهلها و من فيها، ثم حمل بعد أن صلى عليه على الرءوس و الأصابع، و خرج النعش به من باب البريد و اشتد الزحام و علت الأصوات بالبكاء و النحيب و الترحم عليه و الثناء و الدعاء له، و ألقى الناس على نعشه مناديلهم و عمائمهم و ثيابهم، و ذهبت النعال من أرجل الناس و قباقيبهم و مناديل و عمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، و صار النعش على الرءوس تارة يتقدم و تارة يتأخر، و تارة يقف حتى تمر الناس، و خرج الناس من الجامع من أبوابه كلها و هي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الّذي أخرجت منه الجنازة، و باب الفراديس، و باب النصر، و باب الجابية. و عظم الأمر بسوق الخيل و تضاعف الخلق و كثر الناس، و وضعت الجنازة هناك و تقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلما قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد اللَّه (رحمهما اللَّه)، و كان دفنه قبل العصر بيسير، و ذلك من كثرة من يأتى و يصلى عليه من أهل البساتين و أهل الغوطة و أهل القرى و غيرهم، و أغلق الناس حوانيتهم و لم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم و الدعاء له، و أنه لو قدر ما تخلف، و حضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الأسطحة و غيرهن، الجميع يترحمن و يبكين عليه فيما قيل. و أما الرجال فحزروا بستين ألفا إلى مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي ألف و شرب جماعة الماء الّذي فضل من غسله، و اقتسم جماعة بقية السدر الّذي غسل به، و دفع في الخيط الّذي كان فيه الزئبق الّذي كان في عنقه بسبب القمل مائة و خمسون درهما، و قيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما. و حصل في الجنازة ضجيج و بكاء كثير، و تضرع و ختمت له ختمات كثيرة بالصالحية و بالبلد، و تردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا و نهارا يبيتون عنده و يصبحون، و رئيت له منامات صالحة كثيرة، و رثاه جماعة بقصائد جمة.
و كان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى و ستين و ستمائة، و قدم مع والده و أهله إلى دمشق و هو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم و ابن أبى اليسر و ابن عبدان و الشيخ شمس الدين الحنبلي، و الشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، و الشيخ جمال الدين بن الصيرفي، و مجد الدين