شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - الشرح القسم الثالث
فكما ان من الوجود ما هو موجود واجب بالذات، فمن العلم ما هو علم و عالم بالذات بل هو صرف حقيقة العلم فهو علم بكل معلوم، و لو كان علما ببعض الاشياء دون بعض لم يكن صرف حقيقة العلم، و كذا من القدرة ما هو قدرة بالذات و هي صرف حقيقة التي لا اتم منها فيتعلق بكل مقدور، و هكذا في سائر الصفات الكمالية للوجود، فلكل منها فرد بسيط لا مثل له و لا شبه و لا ند و لا ضد و لا حدّ و لا برهان عليه، لما علمت ان لكل منها حقيقة بسيطة لا ماهية لها و لا جنس و لا فصل، و التفاوت بالاشد و الاضعف لا يقتضي ان يكون ما به الاختلاف امرا غير ما به الاتفاق، كما في الخطّين الطويل و القصير، فما به الفصل نفس ما به الاشتراك، و هذه النقائص لهذه الامور الوجودية أعني الامكان و الماهية و المعلولية و التركيب انما يلحق لاجل قصوراتها عن درجة الكمال الأتم كما حقق في مقامه، و هذه المقاصد دركها يحتاج الى ذهن لطيف و فهم ثاقب و غور نافذ و بضاعة في الحكمة غير مزجاة.
ثم لما ثبت و تبين ان ليس له تعالى امر زائد او حالة عارضة، بل جميع ما له من الصفات الحقيقية ترجع الى ذاته، و ان علمه كذاته واجب الوجود بالذات و كذا قدرته و ارادته و سائر صفاته الكمالية و نعوته الجمالية كذاته واجبة الوجود لذاتها، و هذا ما قاله الالهيون: واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات، فالصّادر عنه تعالى من الافعال صادر عن حاق ذاته الاحدية لا بسبب قوة زائدة او بتوسط حالة اخرى.
فاستشكل السائل فتوهم انه يلزم عليه سبحانه ان يكون في فاعليته مباشرا للاشياء و قال: فيعاني الاشياء بنفسه، اي يباشر الافعال بذاته من المعاناة و هي المباشرة و المقاساة، فاجاب ٧ بقوله: هو اجل من ان يعاني الاشياء بمباشرة، لان ذاته سبحانه في غاية التقدّس و التجرّد عن مخالطة الاجساد و ملابسة المواد، فكيف يباشر ما ليس بجسم و لا جسماني لما هو كذلك؟ و حيث ان السّائل المذكور ما رأى من الفواعل في هذا العالم إلّا و هو مخالط لفعله الذي يصدر عنه بالذات فقاس إليه فاعليته تعالى فنبه ٧ على فساد هذا القياس بقوله: لان ذلك صفة المخلوق الذي لا تجيء الاشياء له الا بالمباشرة و المعالجة، و يحتمل ان يكون الصلة و ما بعدها صفة احترازية للمخلوق حتى يكون اشارة الى ان من المخلوقات أيضا ما ليس هذا شأنه فكيف الواجب جلّ ذكره.
ثم اشار الى كيفية صدور الاشياء عنه من غير مزاولة و مقارنة فقال: و هو تعالى نافذ الامر و المشيئة فعال لما يشاء، بمعنى ان صدور الاشياء عنه بمجرّد مشيئته لها، فنفس مشيئته