شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٦ - الشرح
و الزّجاجة دون الهواء الّذي لا لون له و لا اقتصاد في رقة القوام. و امّا صفة القابل: فالاستواء و الاعتدال الحاصل بالتسوية كما قال: فَإِذا سَوَّيْتُهُ*[١] و مثال صفة القابل كصقالة الحديد، فانّ المرآة التي ستر وجهها بالصّدى لا تقبل الصورة و ان كانت محاذية للصورة، فاذا اشتغل الصيقل بتصقيلها فكلما حصل الصّقال حصلت فيها الصّورة من ذي الصورة المحاذية دفعة بلا تخلف، فكذلك اذا حصل الاستواء في قابل الرّوح كالنطفة و نحوها حدثت فيها الرّوح من خالق الرّوح من غير تغيّر في الخالق بل انما حدثت الروح أو تعلقت الآن لا قبله لتغيّر المحل او المتعلق بحصول الاستواء الآن لا قبله.
و اعلم كما تفيض النفس على البدن عند التسوية و التعديل المزاجي فكذا يفيض الرّوح العلوي الّذي هو من امر اللّه على النفس عند حصول التسوية و تعديل الاخلاق و توسيطها بين الاطراف المتضادة بحصول ملكة العدالة، فبالتسوية الاولى و نفخ الروح الادنى يستحق الانسان مسجودية القوى الحيوانية و الاستواء على عرش الرّوح البخاري بخلافة اللّه في ارض البدن، و بالتسوية الثانية و نفخ الروح الاعلى يستحق خلافة اللّه في السّماوات و مسجودية الملائكة و الاستواء على عرش النّفس الناطقية الكليّة.
فاذا علمت الحال في كيفية افاضة الروح الادنى على القابل الادنى و معنى تسويته و الافاضة عليه و قبوله للفيض، فقس عليه نظائر ما ذكرنا في كيفية افاضة الروح الاعلى على القابل الاعلى، و لا ينبغي ان تفهم من الفيض ما تفهم من فيضان الماء من الاناء على الارض بانفصال جزء من ماء الاناء عليها، بل افهم منه لا اقل ما تفهمه ان كنت من اهل التميز من فيضان نور الشّمس على الارض، و لقد غلط فيه قوم أيضا فظنوا انه ينفصل شعاع من جرم الشمس و يتصل بالارض و ينبسط عليها و هو خطاء، بل نور الشمس سبب لحدوث شيء يناسبه في النّورية و ان كان اضعف منه في الارض، فكذلك الجود الالهي سبب لحدوث انوار الوجود في كلّ ماهية قابلة للوجود على حسب قابليتها، و اقرب القوابل إليه المادّة الانسانية فأفاض عليها اشرف الانوار الوجودية، و عبّر عنه تارة بروحي و تارة بنور ربها كما في قوله: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها[٢].
فقد ظهر لك من هذه المباحث انّ الروح العلوي من عالم آخر و ان مظهره و مورده من
[١]- الحجر ٢٩.
[٢]- الزمر ٦٩.