شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٩ - الشرح
و اما بطلان القسم الثالث و هو كونه متناهيا في بعض الجهات دون بعض فهو من وجوه:
احدها انّ الجانب الّذي هو متناه قابل للزيادة و النقصان فيلزم الفساد الذي مر بعينه.
و ثانيها ان هذا الجانب اما عين الجانب الذي لا يتناهى او غيره، فعلى الاول يلزم اما لا تناهي المتناهي أم تناهي اللامتناهي و كلاهما محالان فالملزوم مثله، و على الثاني يلزم التركيب في ذاته و هو ممتنع.
و ثالثها ان الجانب المتناهي و الجانب الغير المتناهي اما متحدان في الماهية و لوازمها او مختلفان فيها، فان كان الاول فجاز على كل منها ما جاز على الاخر بحسب الذات و الماهية، فاختصاص احدهما بالتناهي و الاخر باللاتناهي يحتاج الى تأثير مؤثر من خارج لامتناع الترجّح بلا مرجّح، فيكون لغيره تعالى فيه تأثير و هو محال، و ان كان الثاني فيلزم التركيب و الاختلاف في ذاته تعالى و ذلك ممتنع.
البرهان الثالث انه تعالى لو كان حاصلا في المكان لكان الكون في المكان المستلزم لقبول الاشارة الحسية نحوا من الوجود، كما ان التجرد عن الامكنة و الاجرام نحو آخر من الوجود لا يمكن انقلاب احدهما الى الاخر.
فنقول: لو كان تعالى حاصلا في مكان دون مكان فلا يخلو اما ان يكون ذلك المكان غير امكنة الاجسام، و ليس المكان الّا امرا قابلا للاشارة الحسية و التقدير، فيكون إله العالم جسما و كلّ جسم بما هو جسم قابل للقسمة و الكون و الفساد و الزيادة و النقصان فيكون حادثا، و ان مكانه احد هذه الامكنة التي ملأها الاجسام فيلزم قبوله للزيادة و النقصان لانطباقه مع الجسم الّذي هو في مكانه، و ذلك مستلزم للحدوث و هو محال.
فقد علم من هذه البراهين و بغيرها من الحجج الكثيرة انه تعالى ليس في جهة و مكان متحدد بهما، فلا يمكن حمل قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى على الاستقرار المكاني، فعند هذا حصل للعلماء الموحدين مذهبان:
احدهما القطع بانه تعالى متعال عن المكان و الجهة و ترك الخوض في تأويل الآية على التفصيل بل تفويض علمها الى الله تعالى كما هو الظاهر في هذا الحديث حيث لم يأت في الجواب الا في قول مجمل و هو تساوي نسبة ذاته تعالى و علمه و قدرته