شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١١٩ - الشرح
القدسية على إنشاء الاصوات و الاشكال على موازنة المعاني و الاحوال.
و امّا الآية الثانية ففي الاشارة الى عموم قدرة اللّه و شمول ملكه و توحيده في الايجاد و التأثير و الخلق و التدبير، و الاشارة الى ما هو مكشوف عند اهل الكشف و البصيرة ان وجود المجعولات باسرها في انفسها ليس الّا وجودها لجاعلها و فاطرها، لان جميعها فعل الحق و الفعل من حيث هو فعل متقوّم لا قوام له في نفسه إلّا بالفاعل، و ما وجد من الآثار مستقلة دون ما تصدر عنها، فهي بالحقيقة ليست آثارا لها بل لها نوع آخر من التعلق، و تحقيق هذا التوحيد في الخلق و الايجاد امر غامض دقيق و سر غائر عميق.
و امّا الآية الثالثة ففيها اشارة الى توحيد اخر اعلى و اشرف و اغمض و ادق و أليق بالتحقيق و العرفان و هو: كونه تعالى جامعا بوحدانيته و فردانيته بين فاعلية الموجودات كلّها و غائيتها، حتى يكون ان أوّل الاوائل كلها و آخر الاواخر كلها، كما مرّت الاشارة إليه في بعض ما سبق من الاحاديث، فهو تعالى أوّل كل شيء، بمعنى ان وجوده حصل منه، و بمعنى ان الغرض في حصول ذلك الشيء منه علمه تعالى بالمصلحة الذي عين ذاته، و لكونه تماما في الوجود و الافاضة بلا عوض او غرض زائد، و هو أيضا اخر كل شيء، بمعنى إنّه الغاية القصوى التي يطلبها الاشياء، و الخير الاعظم الذي يتشوقه الكل و يقصده طبعا و إرادة.
و العرفاء المتألهون حكموا بسريان نور المحبة له و الشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم، و ان الكائنات السّفلية كالمبدعات العلوية، على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم و اعتراف شاهد مقرّ بوحدانية الحق القديم، فهو الاوّل الذي منه ابتدأ امر العالم حتى انتهى الى ارض الاجسام و الاشباح، و هو الاخر الذي إليه ينساق وجود الاشياء حتى ارتقى الى سماء العقول و الارواح، و هو اخر أيضا بالإضافة الى سير المسافرين، فانهم لا يزالون مترقون من رتبة حتى يقع الرجوع الى تلك الحضرة بفنائهم و اندكاك جبال هوياتهم، فهو اوّل من حيث الوجود و اخر من حيث الوصول و الشهود.
و اللّه عز اسمه حيث انبأنا عن غاية وجود العالم قال: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[١]، اي ليعرفون، و قوله في الحديث القدسي: كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف، فدلنا على انه الغاية القصوى لوجود العالم معروفا، كما انه الفاعل
[١]- الذاريات ٥٦.