شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٦٥ - الشرح
اراد ان يشير الى حقيقة الامر الجامع للامرين المتوسط بين الحدين، اذ كان ٧ امام ائمة العرفان و سيّد سادة الايقان و الايمان و قد عرف اللّه باللّه و كما قال تعالى في القرآن: «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ»[١]، و قال تبارك و تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ»[٢] و قال: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ[٣] ... الآية»، و قال: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى»[٤]، فقال: قريب في بعده بعيد في قربه، اما كونه قريبا:
فلان قوام الفعل بالفاعل و الكل من افعاله، و اما كونه بعيدا لتجرد ذاته عن الخلق و استغنائه عن كل شيء.
و لما كانت جهة قربه على هذا الوجه هي بعينها جهة بعده و كذلك بالعكس، نبّه عليه بهذا الكلام و قال: فوق كل شيء، لاحاطته بالاشياء احاطة معنوية وجودية، و لا يقال: شيء فوقه، اذ لا حدّ لوجوده و وجوده فوق ما لا يتناهى، و قوله: امام كل شيء، لانه مبدأ الاشياء، و لا يقال له: امام، إذ لا مبدأ له، قوله: داخل في الاشياء، دخول المقوم الموجود فيما يتقوم به، لا كدخول الجزء في الكل- سواء كان جزء خارجيّا او ذهنيا- بل نحو اخر لا يعرفه إلّا الرّاسخون، و قوله: خارج من الاشياء لانه تام الحقيقة بل فوق التمام حيث يفيض من وجوده وجود الاشياء و ليس خروجه منها كخروج شيء منفصل عن شيء.
و اعلم ان هذه المعارف مما تقصر العبارة عن حق بيانها و لا يمكن تفهيمها لاحد ممن لم يذق هذا المشرب بالوجدان عقيب البرهان و لا يحصل ذلك الا بتعريف اللّه و تعليم من لدنه لمن كان على بيّنة من ربّه.
ثم لما ذكر كيفية معيته تعالى للاشياء على هذا البيان الذي ليس فوقه بيان رجع الى التنزيه و نزهه عن ان يكون لاحد غيره مثل هذه المعية الموصوفة فقال: سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره و اشار الى برهانه بقوله: لكل شيء مبتدأ، لان الواو حالية و الجملة حال و العامل فيها معنى الاشارة، و بيانه: ان هذه المعية المذكورة معية قيومية و لا شيء غيره قيوما للاشياء، اذ كل شيء غيره فله مبدأ فليس شيء منها مبدأ لما سواه.
[١]- البقرة ١٨٦.
[٢] ق ١٦.
[٣] المجادلة ٧.
[٤] الانفال ١٧.