شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٠ - الشرح
ثمّ قال: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي*[١]، و ان كان معناه جزء من اللّه فاض على القالب كما يفيض المعطي المال على السائل فيقول: افضت عليه من مالي، هذا يوجب تجزئة ذاته و ذلك محال؟
فاشار الى الجواب بانّه تعالى اضاف الروح الّذي هو منشأ الارواح البشريّة و منبعها الى ذاته لانّه اصطفاه و شرفه على سائر الارواح، و قد مرّ انّ قوله: نفخت بمعنى افضت، و لو نطقت الشمس مثلا و قالت: افضت على الارض من نوري، فيكون صدقا و يكون معنى النسبة: انّ النور الحاصل من جنس نور الشّمس و ان كانت في غاية الضّعف بالإضافة إليه.
و قد عرفت انّ الرّوح بسيط مصفى منزّه عن الجهة و المكان و قبول التجزئة، و كونه لا داخل الجسد و لا خارجه و لا متّصل به و لا منفصل عنه، و مع ذلك لا جزء من اجزاء الجسد الّا هو معه اينما كان، و لا ذرّة من ذرات القالب تعزب عنه، و في قوته العلم بحقائق و ماهيات الاشياء و الاطلاع عليها و الاحاطة بها، و هذه نوع مضاهاة و مناسبة ليست لسائر الاشياء من الاجسام و الجسمانيّات اصلا، فلذلك خص بالإضافة إليه.
ثم اعلم أيضا ان هذه الارواح البشرية المنفوخة في قوالبها باذن اللّه غير الروح المضاف إليه تعالى لما دلت عليه كلمة «من» الابتدائية لا التبعيضية، كما علمت انّ الرّوح ليس متجزئا بل هذه الارواح البشريّة بالإضافة الى ذلك الرّوح كسرج مقتبسة من نار عظيمة كما سبق او كالاضواء الحاصلة في الروازن و الثقب و الجدران من ضوء الشمس.
قوله ٧: و كل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر، اي كلّ واحد من تلك الارواح سواء الّذي اصطفاه أو سائر الارواح مخلوق مصنوع، و انما ذكر هذه الالفاظ الخمسة تأكيدا و توضيحا لنفي كونه قديما، حيث وصف الارواح بصفات متعددة دالة على الحدوث و الافتقار، اما كونها مخلوقة: فالخلق اما بمعنى الايجاد أو بمعنى التقدير و كلاهما تدلّان على انّ لها موجدا مقدرا، و امّا كونها مصنوعة: فمعناه انّ وجودها بصنع صانع، و اما كونها محدثة: فمعناه انّ وجودها متأخر عن لا وجودها، فلم يكن وجودها من ذاتها فلها محدث لا محالة، و امّا كونها مربوبة: فالتربية عبارة عن تبليغ الشيء الى كماله على التدريج، فالارواح البشرية تتكامل لا دفعة و هي قابلة للتّرقي و التوجه الى غايتها الاصلية و التّقرب الى اللّه تعالى، و امّا كونها مدبرة: فهو من جهة انّها ذات قوى مترتبة و آلات و جنود مختلفة واقعة
[١]- ص ٧٢.