قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣٨١ - الجهة الاولى فيما يستفاد من الآية المباركة في نفسها
فمن دونه لا تكون الحيثيّة، و العناية الملحوظة في الأرض أكثر من حيثيّة مكان الاستقرار و الأمن، و لا أقلّ من الاجمال المانع عن التمسّك بالإطلاق؛ لأنّه من الشكّ في سعة المفهوم الملحوظ و ضيقه لا في تقييد مفهوم واسع، كما هو مقرّر في محلّه.
و إن شئت قلت: إنّ صدق الإفساد في الأرض يتوقّف على تحقّق أمرين:
١- أن يكون الجرم إخلالًا بالصفة القائمة بالأرض، بما هي محل لاستقرار الإنسان و سكناه و أمنه، لا بصفة قائمة بالإنسان أو المجتمع، كما إذا نشر العقائد الباطلة أو أجبر الناس عليها فأصبحوا مشركين باللَّه- و العياذ باللَّه- فإنّه بمجرّده ليس إفساداً في الأرض و إن كان إفساداً للإنسان و المجتمعات.
٢- أن يكون الاخلال بصفة الاستقرار و الأمن في الأرض ناشئاً من التعدّي و الظلم و التجاوز على الآخرين لا أن تختلّ حياتهم و استقرارهم في الأرض بفعل صادر باختيارهم و رغبتهم كما إذا ارتكبوا أفعالًا قد توجب تدريجاً ضعفهم و هلاكهم فإنّ هذا أيضاً ليس إفساداً في الأرض و إن كانت نتيجته واحدة. فكأنّ الفساد أخذ فيه التجاوز و الظلم، و قد فسّره صاحب القاموس بأخذ مال الغير ظلماً، فهو منصرف إلى ما يكون فساداً بالذات أي مستنكراً و قبيحاً بالذات و هو الظلم و التجاوز على الآخرين، لا مطلق المعصية أو الفساد و لو بمنظار خاصّ.
و ممّا يقرّب دعوى الاختصاص ما نشاهده في الآيات الكريمة من استعمال هذا التركيب في موارد العدوان على الأموال و النفوس و نحوه دون ارتكاب سائر المعاصي و الكبائر حتى الكفر و الشرك باللَّه، فراجع و تأمّل.
٢- عدم الاختصاص بموارد شيوع التعدّي:
و أمّا الاختصاص بما إذا كان التعدّي و سلب المال أو النفس ظاهراً مشهوراً أو شائعاً منتشراً بين الناس فهو ممنوع، بل العدوان على واحد أيضاً يكون فساداً في الأرض لو كان بحيث يخلّ بالأمن في ذلك المكان.