قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٢٨١ - حكم القاضي بعلمه
العلم الموضوعي لا الطريقي. و يمكن أن يدلّ على عدم جواز الحكم و الإسناد بالعلم الشخصي، فيكون مقيّداً للدليل الأوّل أيضاً، أي دالّاً على أنّ الإسناد و الحكم لا يجوز إلّا بما قامت عليه البيّنة و الحجّة الشرعية، و أنّ هذا الحكم- و هو جواز الإسناد و الحكم- ليس من آثار الواقع فقط، و هذا أيضاً لا محذور فيه، و ليس مصادماً مع الحجّية الذاتية للعلم، بل معناه أنّ جواز الإسناد و الحكم أيضاً اخذ في موضوعه العلم و الطريق الخاصّ، و هذا واضح.
الأمر الثالث: إنّ ما ثبت بالآيات و الروايات من الأمر بجلد الزاني أو قطع يد السارق- و نحوها ممّا رتّب فيه الحكم على واقع الزنى أو السرقة- ليس حكماً تكليفياً راجعاً إلى كلّ مكلّف أو إلى القاضي بالخصوص بإقامة الحدّ على موضوعه الواقعي كلّما تحقق، كما في «لا تشرب الخمر» مثلًا، و إنّما هو تشريع وضعي للعقوبات في أنواع الجرائم بلسان الأمر بها، و لعلّ ذلك للإشارة إلى لزوم إقامتها و عدم جواز تعطيلها في المجتمع، و أمّا شروط الإقامة و من له حق الإقامة و كيفية إثبات الجرم على المتهم بها فهذه كلّها حيثيات اخرى أجنبية عن مفاد هذه الأدلّة وجهة البيان فيها، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها من تلك النواحي لنفي اشتراط شيء فيها كاشتراط البيّنة أو اليمين مثلًا في الإثبات، خصوصاً إذا لاحظنا ارتكازية أنّ الحقوق و المسئوليات سواء المدنية منها أو الجنائية بحاجة إلى إثبات في مقام المرافعة و المخاصمة لإجراء الحكم على شخص، و لا يكفي ثبوتها الواقعي من دون إثبات لإدانته بها. فلا إطلاق لأدلّة تشريع العقوبات على العناوين الواقعية للجرائم ليتمسّك به لإثبات جواز حكم القاضي بعلمه بدعوى أنّ ظاهرها ترتّب العقوبة و الحدّ على صدور الجرم واقعاً؛ فإنّ هذا ترتّب و تشريع جنائي، و ليس قضائياً. و بعبارة اخرى: إنّ الأدلّة المذكورة في مقام بيان كبرى الحكم الجنائي في نفسه، و أمّا كيفية إدانة الآخرين به في مقام القضاء و إثباته عليهم فهو مقام آخر أجنبي عن منظور هذه الأدلّة، و لا بدّ فيه من ملاحظة أدلّة القضاء، و كيفية