قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣١٦ - الوجه العاشر
يشهد، فيدلّ إمضاء ذلك من قِبل اللَّه و السكوت عنه على صحّته و نفوذ القضاء بالعلم، و هذا سنخ دلالة مفهومية سكوتية.
٢- أن يقال بظهور هذا الحديث ابتداءً في تفصيل موارد القضاء إلى ثلاثة أقسام:
مورد علم القاضي و رؤيته للواقع، و مورد قيام البيّنة على الواقع، و مورد الشكّ و عدم العلم و البيّنة، و إنّ هذه الموارد مراتب طولية لانكشاف الواقع و الوصول إليه، و أنّ موضوع حجّية البيّنة و الايمان ما إذا لم يكن علم للقاضي، و هذا الترتيب و التسلسل يدلّ على أنّ حجّية البيّنة و اليمين للقاضي إنّما هو باعتبار طريقيتهما إلى الواقع و إثباته بهما، فإذا كان منكشفاً بالعلم جاز الحكم به لا محالة.
و يلاحظ على هذا الاستدلال:
أوّلًا: إنّ قول النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «كيف أقضي فيما لم أرَ و لم أشهد» و إن كان يدلّ على أنّ الإشكال كان عنده فيما لم يرَ و لم يشهد، إلّا أنّ هذا لا يدلّ على جواز القضاء بالعلم؛ لأنّ الظاهر أنّ المحذور الذي كان في نظره إنّما هو محذور الحكم بما يكون على خلاف الواقع، و الذي يكون القاضي في معرضه في موارد عدم العلم و الاطّلاع، فيكون الإتيان بقيد (فيما لم يرَ و لم يشهد أو لم يسمع) إنّما هو بهذا الاعتبار؛ و لهذا جاء الجواب عامّاً و بياناً لكبرى كيفيّة القضاء، و مفهومه عندئذٍ أنّه في مورد العلم بالواقع لا محذور من هذه الناحية، و هذا لا يلازم حجّيته القضائية، فلا يعلم أنّ النظر إليها، و قد تقدّم أنّ الحجّية القضائية يكون العلم مأخوذاً فيه على نحو الموضوعيّة لا الطريقيّة المحضة إلى الواقع.
فالحاصل: أنّ ظاهر هذا الحديث أو المحتمل من ظهوره أنّ ذلك النبي كان بصدد تحصيل العلم بالواقعيات كما هي، و لهذا شكا إلى ربّه أنّه كيف يقضي فيما لم يرَ و لم يشهد، فهو ناظر إلى الواقعيات و يطلب إليها طريقاً، لا إلى باب الحجّية القضائية في موارد الشكّ. و ما ورد في جوابه من الوحي بيان كيفيّة القضاء عموماً، فإذا لم يذكر فيه إلّا البيّنة و الايمان كان أدلّ على عدم نفوذ علم القاضي الشخصي،