قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٢٥٩ - القسم الأول - حقوق الله
و الدليل على أخذ هذا القيد في سقوط الحدّ بالتوبة وروده في ألسنة الأدلّة؛ فإنّ الدليل على سقوط الحدّ بالتوبة إن كان مثل قوله تعالى: «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ([١]) الوارد عقيب آية قطع يد السارق، أو مثل قوله تعالى: «فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» ([٢]) الوارد عقيب آية السحق أو الزنا قبل تشريع الحدّ، فمن الواضح أنّ المستظهر من قيد «وَ أَصْلَحَ» إنّما هو ما ذكرناه؛ فإنّ «أَصْلَحَ» بمعنى صلح في العمل و الاستقامة الخارجية.
و إن كان الدليل على السقوط الروايات الخاصة فالوارد روايتان، إحداهما صحيح ابن سنان المتقدّم ([٣])، و هو ظاهر في التوبة و الصلاح العملي أيضاً بقرينة ما فيه من التعبير بمجيء السارق من قبل نفسه تائباً و ردّه للسرقة إلى المسروق منه، فذكر ردّ السرقة إلى صاحبها بعد التوبة كناية عن لزوم الصلاح العملي و الاستقامة الفعلية. و الاخرى صحيح جميل، و هي أيضاً ظاهرة بل صريحة في ذلك، حيث عبّر فيها: «إذا صلح و عرف منه أمر جميل لم يقم عليه الحدّ» ([٤])، بل في ذيلها ينقل ابن أبي عمير عن جميل لزوم مرور مدّة على توبته ليظهر فيها صلاحه.
فالحاصل: أنّه لا تعارض بين الطائفتين بعد أن كان سقوط الحدّ بالتوبة مشروطاً بظهور صلاحه عملًا، لا مجرّد التوبة واقعاً الثابتة من خلال إقراره عند الحاكم، و إن شئت قلت: إنّ لظهور التوبة و صلاحه قبل ثبوت الجرم دخلًا في سقوط الحدّ، و لا يكفي ظهوره في طول الإقرار به و إن كانت قبله، فتأمل جيداً.
و أما ما ذهب إليه الشيخ المفيد قدس سره من ثبوت حق العفو للإمام بالتوبة حتى في
[١] المائدة: ٣٩.
[٢] النساء: ١٦.
[٣] الوسائل ١٨: ٥٣٠، ب ٣١ من حدّ السرقة، ح ١.
[٤] المصدر السابق: ٣٢٨، ب ١٦ من مقدمات الحدود، ح ٣.