قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣٦٣ - الجهة الاولى فيما يستفاد من الآية المباركة في نفسها
«قوله تعالى: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» «فساداً» مصدر وضع موضع الحال، و محاربة اللَّه- و إن كانت بعد استحالة معناها الحقيقي و تعيّن إرادة المعنى المجازي منها- ذات معنى وسيع يصدق على مخالفة كلّ حكم من الأحكام الشرعية و كلّ ظلم و إسراف، لكن ضمّ الرسول إليه يهدي إلى أنّ المراد بها بعض ما للرسول فيه دخل، فيكون كالمتعيّن أن يراد بها ما يرجع إلى إبطال أثر ما للرسول عليه ولاية من جانب اللَّه سبحانه، كمحاربة الكفّار مع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و إخلال قطّاع الطرق بالأمن العامّ الذي بسطه بولايته على الأرض، و تعقّب الجملة بقوله: «وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» يشخّص المعنى المراد و هو الإفساد في الأرض بالإخلال بالأمن و قطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين.
على أنّ الضرورة قاضية بأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يعامل المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم و الظفر بهم هذه المعاملة من القتل و الصلب و المثلة و النفي.
على أنّ الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الإفساد المذكور، فإنّه ظاهر في أنّ التوبة إنّما هي من المحاربة دون الشرك و نحوه.
فالمراد بالمحاربة و الافساد على ما هو الظاهر هو الاخلال بالأمن العامّ، و الأمن العام إنّما يختلّ بإيجاد الخوف العامّ و حلوله محلّه، و لا يكون بحسب الطبع و العادة إلّا باستعمال السلاح المهدّد بالقتل طبعاً، و لهذا ورد فيما ورد من السنّة تفسير الفساد في الأرض بشهر السيف و نحوه» ([١]).
و الفقهاء عموماً فسّروا المحارب بمن شهر السلاح لإخافة الناس- مع أخذ قيد كونه من أهل الريبة تارة و عدمه اخرى- و جعلوا هذا المعنى الخاصّ للمحاربة هو موضوع هذا الحدّ في كتاب الحدود، و أمّا غيره من المحاربين كالكفّار و البغاة فقد
[١] تفسير الميزان ٥: ٣٢٦- ٣٢٧.