قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٢٥٦ - القسم الأول - حقوق الله
جهة المعارضة مع الروايات ذات الألسنة الشديدة غير القابلة للتخصيص، فتكون النتيجة ما ذهب إليه المشهور من اشتراط توبة المقرّ.
هذا قصارى ما يمكن أن يثبت به فتوى المشهور، فإن تمَّ شيء منه فهو، و إلّا كان المتعيّن القول الثالث.
و قد يقال: بوقوع التعارض بين مثل صحيح ابن سنان الدالّ على سقوط الحدّ بالتوبة و لو قبل ثبوته عند الحاكم، و بين ما دلّ على جواز العفو إذا ثبت الجرم بالإقرار؛ من جهة أنّ روايات العفو قد ورد جملة منها في مورد ظهور توبة المقرّ قبل إقراره، حيث كان يطلب بإقراره التطهير و مع ذلك قد أجرى الإمام عليه السلام عليه الحدّ في بعض الروايات، و قد عفا عنه في بعضها الآخر بعنوان الهبة، ممّا يعني عدم سقوط الحدّ بالتوبة حتى قبل ثبوت الجرم، و إلّا لم يكن مجال للعفو و لا لإجراء العقوبة، فيقع التعارض بين الطائفتين بهذا الاعتبار.
و حمل الطائفة الثانية على صورة عدم إحراز توبة المقرّ قبل إقراره بعيد جدّاً؛ لمنافاته مع التصريح في موارد بعض تلك الروايات بطلب التطهير من قبل المجرم، بل و إصراره على ذلك بحيث يعاود الإقرار تلو الإقرار كلّما كان يصرفه الإمام عليه السلام- كما في قضية المرأة الزانية الواردة في رواية ميثم ([١]) و غيرها- و مع ذلك قد
[١] الوسائل ١٨: ٣٧٨، ب ١٦ من حدّ الزنا، ح ١. و إليك نصّ الرواية:
عن ميثم قال:« أتت امرأة مجحٌّ(*) أمير المؤمنين عليه السلام فقالت يا أمير المؤمنين: إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللَّه فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الّذي لا ينقطع، فقال لها: ممّا اطهّرك؟ فقالت: إنّي زنيت، فقال لها: أو ذات بعل أنت أم غير ذلك؟ فقالت: بل ذات بعل، فقال لها: أ فحاضراً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائباً كان عنك؟ فقالت: بل حاضراً، فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثمّ ائتيني اطهّرك، فلمّا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللّهم إنّها شهادة فلم يلبث أن أتته فقالت: قد وضعت فطهّرني، قال: فتجاهل عليها، فقال: اطهّرك يا أمة اللَّه ممّا ذا؟ فقالت: إنّي زنيت فطهّرني، فقال: ل لا و ذات بعل إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم، قال: و كان زوجك حاضراً أم غائباً؟ قالت: بل حاضراً، قال: فانطلقي و ارضعيه حولين كاملين كما أمرك اللَّه، قال: فانصرفت المرأة فلمّا صارت من حيث لا تسمع كلامه قال: اللّهم إنّهما شهادتان، قال: فلمّا مضى حولان أتت المرأة فقالت: قد أرضعته حولين فطهّرني يا أمير المؤمنين، فتجاهل عليها و قال: اطهّرك ممّا ذا؟ فقالت: إنّي زنيت فطهّرني، قال: و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: نعم، قال: و بعلك غائب عنك إذ فعلت ما فعلت أو حاضر؟ قالت: بل حاضر، قال: فانطلقي فاكفليه حتّى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى من سطح و لا يتهوّر في بئر، قال: فانصرفت و هي تبكي فلمّا ولّت فصارت حيث لا تسمع كلامه قال: اللّهم إنّها ثلاث شهادات، قال: فاستقبلها عمرو بن حريث المخزومي فقال لها: ما يبكيك يا أمة اللَّه و قد رأيتك تختلفين إلى علي تسألينه أن يطهّرك؟ فقالت: إنّي أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فسألته أن يطهّرني فقال: اكفلي ولدك حتّى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى من سطح و لا يتهوّر في بئر، و قد خفت أن يأتي عليّ الموت و لم يطهّرني، فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفله، فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بقول عمرو، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: و هو متجاهل عليها و لِمَ يكفل عمرو ولدك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فقال: و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟ قالت: نعم، قال: أ فغائباً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضراً؟ فقالت: بل حاضراً، قال: فرفع رأسه إلى السماء و قال: اللّهم إنّه قد ثبت لك عليها أربع شهادات، و إنّك قد قلت لنبيّك صلى الله عليه و آله و سلم فيما أخبرته به من دينك: يا محمّد من عطّل حدّاً من حدودي فقد عاندني و طلب بذلك مضادّتي، اللّهم فإنّي غير معطّل حدودك و لا طالب مضادّتك و لا مضيّع لأحكامك، بل مطيع لك و متّبع سنّة نبيّك صلى الله عليه و آله و سلم، قال: فنظر إليه عمرو بن حريث و كأنّما الرُّمان يفقأ في وجهه، فلمّا رأى ذلك عمرو قال: يا أمير المؤمنين إنّني إنّما أردت أكفله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك، فأمّا إذا كرهته فإنّي لست أفعل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أبعد أربع شهادات باللَّه؟ لتكفلنّه و أنت صاغر، فصعد أمير المؤمنين عليه السلام المنبر فقال: يا قنبر نادِ في الناس الصلاة جامعة، فنادى قنبر في الناس، فاجتمعوا حتى غصّ المسجد بأهله، و قام أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه فحمد اللَّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ إمامكم خارج بهذه المرأة إلى هذا الظهر ليقيم عليها الحدّ إن شاء اللَّه فعزم عليكم أمير المؤمنين لما خرجتم و أنتم متنكّرون و معكم أحجاركم لا يتعرَّف أحد منكم إلى أحد حتى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء اللَّه، قال: ثمّ نزل، فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة و خرج الناس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم و بأرديتهم و الحجارة في أرديتهم و في أكمامهم حتى انتهى بها و الناس معه إلى الظهر بالكوفة، فأمر أن يحفر لها حفيرة، ثمّ دفنها فيها، ثمّ ركب بغلته و أثبت رجليه في غرز الركاب، ثمّ وضع إصبعيه السبّابتين في اذنيه، ثمّ نادى بأعلى صوته: يا أيّها الناس إنّ اللَّه تبارك و تعالى عهد إلى نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم عهداً عهده محمّد صلى الله عليه و آله و سلم إليّ بأنّه لا يقيم الحدّ من للَّه عليه حدٌّ، فمن كان عليه حدٌّ مثل ما عليها فلا يقيم عليها الحدّ، قال: فانصرف الناس يومئذٍ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام و الحسن و الحسين عليهما السلام، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحدّ يومئذٍ و ما معهم غيرهم
».[ الكافي: ٧: ١٨٦- ١٨٧].
(*) المجحّ: الحامل المقرب التي دنا ولادها.[ النهاية ١: ٢٤٠].