قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٢٥٢ - القسم الأول - حقوق الله
و في قبال هذين القولين قول ثالث اختاره بعض المتأخرين، و هو كفاية ثبوت الجرم بإقرار المجرم في جواز عفوه سواء تاب أم لم يتب.
فتكون الأقوال ثلاثة، و لا بدّ من ملاحظة ما يطابق منها الأدلّة و القواعد، فنقول:
لا إشكال في أنّ مقتضى إطلاق معتبرة طلحة بن زيد المتقدّمة ([١]) عدم اشتراط توبة المقرّ في جواز عفوه من قِبل الحاكم، بل قد يقال: إنّ فيها دلالة على أنّ ملاك عفو الإمام له في مورد الرواية لم يكن توبته، بل مصلحة اخرى؛ حيث قال الإمام عليه السلام فيها: «إنّي أراك شاباً لا بأس بهبتك»، فكأنّه عليه السلام لاحظ مصلحة شبابه، فيكفي مطلق المصلحة في جواز العفو، و لا يشترط التوبة.
إلّا أنّ هذا الاستظهار قابل للمناقشة؛ لأنّ تلك الحيثية إنّما ذكرها الإمام عليه السلام ملاكاً لعفوه لا لجواز العفو من قِبله، فلا دلالة في الرواية على أنّ حق العفو ليس مقيّداً بفرض توبة المقرّ إلّا من ناحية الإطلاق و مقدّمات الحكمة؛ حيث لم يقيّد فيها الحكم بجواز عفو الحاكم بما إذا تاب المقرّ أيضاً عن ذنبه، فيشمل ما إذا جاء إلى الحاكم و أقرّ عنده بالجريمة من جهة خوفه- مثلًا- أنّه لو لم يجئ يبتلى بما هو أشد، فليس التعبير بقوله عليه السلام: «أتى أميرَ المؤمنين» مساوقاً أو ملازماً للتوبة و الندم، فلا بدّ للخروج عن هذا الإطلاق من مقيِّد.
و يمكن أن يستدلّ على التقييد بأحد وجوه:
١- التمسّك بمعتبرة مالك بن عطية ([٢])؛ حيث إنّه فرض فيها توبة المقرّ أيضاً، كما صرّح الإمام عليه السلام بذلك في ذيلها، و حينئذٍ يقال بتقييد إطلاق رواية
[١] الاستبصار ٤: ٢٥٢، ب ١٤٨، باب انّه لا يجوز للإمام أن يعفو إذا حمل إليه و قامت عليه البينة، ح ٤٢.
[٢] الوسائل ١٨: ٤٢٢، ب ٥ من حدّ اللواط، ح ١.