قراءات فقهيه - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٣٧٢ - الجهة الاولى فيما يستفاد من الآية المباركة في نفسها
فإنّه قرينة على تعيين محاربة اللَّه و الرسول فيما يكون بنحو الافساد في الأرض و سلب الأمن؛ لأنّه بذلك يختلّ وضع الناس و الحياة، فيكون إفساداً في الأرض، بخلاف البغي و نكث بيعة الحاكم و لو أدّى إلى القتال و المحاربة فإنّ مطلق الحرب و القتال ليس فساداً في الأرض، و قد اعتمد على هذه القرينة بعض المفسّرين منهم سيّدنا العلّامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره القيّم على ما تقدّم حيث قال: «و تعقب الجملة بقوله «وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» يشخّص المعنى المراد و هو الافساد في الأرض بالإخلال بالأمن و قطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين» ([١]).
٣- و منها: بعض القرائن الارتكازية و اللبّية و مناسبات الحكم و الموضوع الواضحة من سياق الآية، فإنّ شدّة العقوبة و التأكيد عليها المفاد بصيغة التفعيل في الآية و إضافة الصلب و قطع اليد و الرجل من خلاف أو النفي من الأرض كلّ هذه العقوبات تناسب سنخ جريمة يكون فيها إفساد في الأرض بقتل و سلب و نهب و يكون لها مراتب تناسب مراتب العقوبات الأربع المجعولة فيها، و لا تناسب مجرّد البغي و نكث طاعة الحاكم الذي هو جريمة سياسية لا يطلب فيها إلّا رجوع الباغي إلى الطاعة و دخوله في الجماعة. كما يظهر ذلك من خلال مراجعة لسان الآية المتعرّضة للباغين «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» ([٢]).
بل ظاهر آية المحاربة أنّ الجريمة المذكورة فيها من سنخ الجرائم التي تقوم بالأفراد بحيث قد يقوم بها شخص واحد، و من هنا ذكر الفقهاء أنّه لا يشترط فيها وجود فئة و لا إخافة جماعة، بل يكفي محاربة واحد لواحد، و هذا بخلاف محاربة
[١] تفسير الميزان ٥: ٣٢٦.
[٢] الحجرات: ٩.