محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩١ - الخطبة الأولى
عنه عليه السلام:" بِحُسنِ الوَفاءِ يُعرَفُ الأَبرارُ" ٢١. المنافاة بين الخيانة والخذلان من جهة، وبين البرّ والتخلّق به منافاة واسعة بحيث لا يلتقيان؛ فيكون الوفاء من علامات البرّ عند من تخلّق به.
وهذه جملة أحاديث في صفات من صفات الأبرار كلّها كريمة وشيّقة. من تلك الأحاديث وهي كثيرة ما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" سَيِّدُ الأَبرارِ يَومَ القِيامَةِ رَجُلٌ بَرَّ والِدَيهِ بَعدَ مَوتِهِما" ٢٢ برُّ الوالدين مطلوب شرعًا بعد موتهما وقبله، وهو في الحالة الأولى أبعد عن طلب النفع إلّا من الله سبحانه، وخاصة ما كان منه في السرّ.
وعن الإمام عليّ عليه السلام:" إنَّما طَبائِعُ الأَبرارِ طَبائِعُ مُحتَمِلَةٌ لِلخَيرِ، فَمَهما حُمِّلَت مِنهُ احتَمَلَتهُ" ٢٣.
فمن بلغ مستوى البرّ، وارتقى إلى منزلته لم يعجزْ عمّا حمّل من فعل الخير، ولم يتأخر عنه، فإنَّ بلوغه هذه الدرجة يجعل له من قدرة التحمّل، ما يجعله أهلًا لذلك.
وعن النبيّ عيسى عليه السلام:" البِرُّ ثَلاثَةٌ: المَنطِقُ، وَالنَّظَرُ، وَالصَّمتُ ٢٤؛ فَمَن كانَ مَنطِقُهُ ٢٥ في غَيرِ ذِكرٍ فَقَد لَغا، ومَن كانَ نَظَرُهُ ٢٦ في غَيرِ اعتِبارٍ فَقَد سَها، ومَن كانَ صَمتُهُ في غَيرِ فِكرٍ فَقَد لَها" ٢٧.
فالأبرار من كانوا لا يقولون لغوًا، ولا ينتهي بهم التفكير إلى ما ينتهي إليه من حقائق ودروس تأخذ بالنفس إلى رشدها وصلاحها وكمالها من غير اعتبار، ولا استفادة عمليّة، وترتيب أثر ٢٨. وهم من إذا صمتوا صمتوا في فكر وتدبّر وذكر قلب واعتبار.
لا يأتي القول منهم فوق الحاجة، ولا خارجًا عن الحقّ، ولا تفكيرهم لمجرّد التفكير، والمتاجرة أو التفاخر بما يكون لهم من علم، وما يُوفّر لهم التفكير من التوصُّل إلى حقائق، وليس لهم صمتٌ من صمتِ الحيوان والجماد. وكلّ حياتهم جِدٌّ، واعتبار، وسعيٌ صالح، وقصد لله العظيم سبحانه وتعالى.