محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧ - الخطبة الثانية
معركة مع أجساد الموتى:
نَبْشُ قبر حجر بن عدي رضي الله عنه نوعُ معركة مع أجساد الموتى، مع العِظام، مع الرّفات.
كما هي معركةٌ مع حرمة المؤمن، والحكم الشرعيّ، وتاريخِ الأمّة والرّسالة، ومع حِسٍّ إنسانيٍّ متأصّل يتعفّفُ عن الدّخول في معركة من هذا النوع ... معركة مع أجساد الموتى، ومع العظام والرِّفات.
وحجر بن عدي صحابيّ، ورجلٌ مهمّ من رجالات الإسلام، وشخصية بارزة من شخصيّات الإيمان. كان المجاهد الصَّابر، والجريء في ذات الله، والقائد الناجح، والمضحي في سبيل ربّه، والثابت على دينه، والملازم لهداه.
وشنُّ معركةٍ ضاريةٍ على قبور الأولياء والصّالحين، ومعالِمَ التاريخ الإسلاميّ، ورموز جهاده، وما يمتُّ إلى حريات الأديان والمذاهب ١٦، وفي داخل الدّين الواحد، والتاريخ الواحد وبهذه الصّورة المنفلتة تُمثّل خطورة بالغة جدًّا تؤدّي إلى فوضى عارمة، وتُقوّض أمن المجتمعات والأمم، وتفتح أبوابًا واسعة لِسَفْك الدّم الحرام جهلًا وعدوانًا.
إنّه لا يُتصوّر أن يأتي يومٌ يكون أبناء الأمَّة الإسلاميَّة فيه على رأيٍ واحد، وفهمٍ متّحِدٍ للإسلام بكلّ دقائقه وتفاصيله، وعلى مستوى الاستيعاب للعقيدة وعُمقِها، ولا على درجة واحدة من وضوح الإيمان ونقائه وخلوصه من العوالق، وسلامة التصوّرات الواردة في هذا الباب ١٧.
ذلك أنَّ الناس أفهام متعددة، وليسوا على مستوى واحد من الفهم، ونفوس تختلف صفاء ونقاء وليست من درجة واحدة. إنهم ليختلفون في قُدرة التفكير، ودقّة النظر، ومدى استقبال النفس، وقدرتها على احتضان الحقائق البعيدة.