محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨١ - الخطبة الأولى
أما العمى والنظرة الغامضة، والرؤية القاصرة، والنظر العاجز فلا تعويل على شيءٍ منه للوصول إلى هذه الغاية الكريمة.
وقد عميت عينٌ لا ترى الله ورقابته على كلِّ نفس، ومنّتَهُ على كل شيء، ونافذَ علمه وحكمته وقدرته في كلِّ شيء، ولا بصيرة لمن قدّم على دين الله دينا، أو ساوى بينه وبين دين غيره، ولمن اختار الدّنيا على الآخرة، أو شغله همُّ يومه عن همّ غده، وحاضرُه عن مصيره.
وما من بصيرة ألمع ولا أدقَّ ولا أنفذ، ولا أبقى أثرًا، وأغنى عطاءً أو مساويةٍ قيمة لبصيرة الدّين؛ بصيرة استقامت بصاحبها على صراط الله وانتهت به إلى جنّته ورضوانه.
أئمة أهل البصيرة:
من النّاس من فَقَدَ بصره، ومنهم من هو واجد له، ومن أصحاب البصر من يُعاني من ضعفٍ في رؤيته، ومنهم من يرى على مدى بعيد.
وفاقدُ البصر يهتدي الطريق بالرّجوع إلى المتمتّع ببصره، ومن ضعُف عنده البصر يستعين بمن له بصر حديد. والشأن في البصيرة هو الشأن في البصر. وهناك في شأن البصيرة أئمة، وهداة طريق، لا تخونهم الرؤية، ولا يُخطئ عندهم النظر. متابعتهم نجاة، والأخذ بخلاف ما عليه رؤيتهم مُهلِكة. الصواب مضمون في متابعتهم، والخطأ مُحقّق في مخالفتهم.
وقد دلَّ الوحيُ على أولئك الأئمة والهداة.
من ذلك قوله تعالى: (وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ) ١٥.
(قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ١٦.