محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٨ - الخطبة الأولى
عن الإمام عليّ عليه السلام:" مَن عَرَفَ شَرَفَ مَعناهُ، صانَهُ عَن دَناءَةِ شَهوَتِهِ وزورِ مُناهُ" [١].
ما صغُرت نفس على صاحبها، وهانت عليه قيمةُ ذاته إلّا دنت آماله [٢]، وخسَّت أمانيه، وما عرف أحدٌ نفسه بما هو إنسان ومخلوق كريم لله سبحانه، وأنَّ له دورًا خلافيًّا كبيرًا في حياته، وعرف أنّ ذاته مهيئة باستعداداتها الممنوحة لها من ربِّه الكريم لأكبر السَّعادة وأبقاها بعد مماته إلَّا سَمَت آمالُه، واستطال طموحُه، ورمى بنظره إلى أُفُقٍ جليل رفيع بعيد، يتجاوز كلَّ فانٍ وكلَّ طَمع مما يتسع له كرم المخلوقين المحاويج المحدودين وكان له نظر لا يُشبعه إلا سعادةُ الأبد، ورضا الخالق العظيم.
معرفةُ النفس، وما هي عليه من شرف نفخة الروح الجليلة من الله سبحانه تحميها من أن تَأْسَنَ وتقف أمانيها عند دناءة الشَّهوة، وأن تتشبث بالمُنى الزور الكاذبة للدّنيا، وتتجمَّد عندها.
٣. الكيس: وهو العقل والفطنة:
عن الإمام عليّ عليه السلام:" أكيَسُ الأَكياسِ مَن مَقَتَ دُنياهُ، وقَطَعَ مِنها أمَلَهُ ومُناهُ، وصَرَفَ عَنها طَمَعَهُ ورَجاهُ" [٣].
من كان له عقل وفطنة ونظرة دقيقة لابد أن يعرف هوان الدّنيا، وتفاهةَ وزنها، وأنّها أشبه بالسّراب لو قِيست بالآخرة، وعندئذ لا تتعلّق آمال العاقل الفَطن بالدنيا الزائفة الفانية، ولا يبيع حياتَه بثمنها، ولا يشحّ عن دفع حياته فيها ثمنًا لسعادة الآخرة.
[١]- عيون الحكم والمواعظ ص ٤٢٥ ط ١.
الزور: الكذب. وكم تكذب الأماني الباطلة!
[٢]- هناك ربط بين هوان النفس وصغرها، وبين دنوّ الآمال ورداءتها.
[٣]- المصدر السابق ص ١٢٣.