محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٣ - الخطبة الأولى
له. ومن لم يستمسك أمام القبيح برهَنَ على مزيد من ضعف الإيمان، وسُقمِ معرفته بالله العظيم وذكره له ١.
ولو خَلَت نفس من جميل الفطرة والعقل والدين، وخلُصَت لما قابله من قبيح لتمحّضت للشرّ، وأقفرت نهائيًّا من الخير.
فلو صار أبناء بيت أو مجتمع أو أمة لمثل ذلك لما استقرّت لهم الحياة بضع دقائق.
فالحياة لا تقوم إلا بالارتباط بالله سبحانه وما قضى به دينُه. وليس للعقل والفطرة حكمٌ على خلاف الدين، فكلُّ ذلك حكمه واحد، ومصدره واحد، وهو الله العليم الحكيم وبذلك يكون الإيمان والدّين الحقُّ حاجةَ الدّنيا قبل أن يكون حاجةَ الآخرة.
وما حارب محارِبٌ دينَ الله إلّا وقد حارب الإنسانيةَ في دنياها وآخرتها، واستهدف بحربه القاعدةَ الصلبة التي تقوم عليها الحياة، ولا وجودَ للحياة إلّا بها.
ولم يستهدف الإنسانيةَ أحد بضرر أو شرّ أبلغ وأوسع وأشدّ وأبقى أو يبلغُ ما استهدفه بها من ذلك محارِبٌ لها في الدّين ٢. لا يقرب الشك من ذلك بعد أن كان الاستهداف استهدافًا للقاعدة التي يقوم عليها وجود الناس وصلاحهم في الأولى، ولا سعادة لهم في الآخرة إلا بسلامتها.
وعندئذ يكون المدافعون عن الدّين مدافعين عن دنيا الإنسانية وآخرتها، والمضحّون عنه فداءً لها كلِّها.
وكما أن الدّين الحقَّ ضرورةُ الحياة الدُّنيا والآخرة، فإن الدّين في صورته المحرّفة الخارجة به عن هدفه وأخلاقه ومنهجه، والمستبيحة لما لم يُبح، والمحرِّمة لما لم يُحرِّمْ لأشدُّ خطرًا لما يأتي على أيديهم وأكبر ضررًا على يد الحاملين لرايته، والمغرَّرين به من كثير من صور الفِسْق والفجور المُتعمَّد، ويسعون به من فساد في الأرض.