محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩ - الخطبة الأولى
والإيمان الذي يصنع هذه الذات صناعة راقية، ويسمو بها ليس هو إيمان الكلمة من غير اعتقاد راسخ تنطِق عنه، وعمل صالح ينسجم معها، ويكشف عن صدقها، ويزيد من جدّيتها وفاعليتها.
فصار أنَّ البلاء زينة المؤمن حيث الصبر عليه، والثبات عنده، وتحمُّل أثقاله، وصحيحٌ أن في ذلك صدقًا للإيمان، وتصحيحًا واقعيًّا لنسبة المرء إليه، ونسبته له.
وبالبلاء والتصبُّر عليه تظهر صفة التقوى على فعليّتها في القلب، ويشعّ نورها، وتكون لها قيادةُ خُطى الإنسان (... أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ...) ٥.
وبالبلاء والتصبُّر عليه، والنجاح فيه تظهر الذات الإنسانية في أجمل صورة لها، وأرقى درجة من درجاتها، ويبرز ما لها من قوة عقل، وصحّة فهم، وسلامة سريرة، وطُهْرِ قلب، وصلاح إرادة (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) ٦ وحسن العمل، وصواب الموقف، والأخذ بالهدى، والاستقامة على الصِّراط لا تكون إلّا عن عقل، وزكاة قلب، ونقاء روح، وقوة إرادة في الخير، وداخلٍ نورانيٍّ مشعٍّ.
إنّها الذَّات الطيبة النظيفة الطّاهرة التي يكون لها ذلك كله ولا يكون لغيرها (ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ...) ٧.
ونمرُّ بنصوص أخرى في موارد من موارد الابتلاء:
وقبل ذلك فإنَّ النفوس لتختلف في قدرتها على النجاح في تجارب من نوع عن تجارب من نوع آخر من أنواع الابتلاء. فلا تزكو عند أحدنا نفسُه أنْ وَجَدَ شيئًا من النجاح لها في تجربة أو أخرى من تجارب الامتحان الإلهي. فإنّ أمام النفس لكثيرًا من تجارب البلاء من أنواع مختلفة قد تواجه فيها فشلًا ذريعًا، وينكشف منها أنْ ليس لها من قدرة المقاومة ما يُكسبها الصمود.