محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٢ - الخطبة الأولى
لا غرابة في أن تتخذ دولةٌ قراراً من منطلق رأي خاطئ، وتقدير لا دِقّة فيه لتجد نفسها في ورطة لا مخرج لها منها، وأنّها قد أقحمت نفسها في النَّفَق المنتهي بها للهلاك. وكثيراً ما تقود وجهات النظر من مغرورين في الدّول دولَهم إلى هذا المصير.
٦." قَدْ يَزِلُّ الرَّأيُ الفَذُّ" ٩.
وفي ظل واقعية هذه الكلمة، وتصديق الخارج لها على من يرى أنَّ لرأيه وزنا، وله وثوق بخبرته وتجربته ألّا يصاب بالاستعلاء والغرور، وأن يقبل المناقشة.
وهذا الغرور، وإعجاب المرء برأيه تأتي فيه هذه الكلمة عن الإمام عليه السلام:" ما أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ إلّا جاهِلٌ" ١٠.
٧." الدولة تَرُدُّ خطأ صاحبها صواباً، وصوابَ ضده خطأ" ١١.
مواقع الغنى والقوة المادية والشهرة والسلطان تعطي قيمةً ظاهرية لرأي صاحبها، واحتراماً له في نفوس الكثير من الناس من غير أن تُصحِّح الرأي نفسه، أو تعطيه قيمة كبيرة فوق قيمته، ويبقى هو الرأي الساقط أيّاً كان مصدره إذا كان ساقطاً في نفسه. والرأي الراجح يبقى راجحاً، ولامعاً، ومفيداً وإن خطّأته وقلّلت من قيمته القوة المادية لصاحب الرأي المضاد.
٨. سُئل أمير المؤمنين عليه السلام" أيُّ الناس أثبت رأياً؟ قال: من لم يغرّه النّاس من نفسه، ولم تغرّه الدنيا بتشويقها" ١٢.
مطلوب لنا جميعاً أن يعرف واحدُنا نفسه، وما هو عليه من قوة وضعف، وخير وشر، وألّا يُخدع بتقييم الآخرين إذا ارتفعوا به عن مستواه، وتجاوزوا به عن حدّه.
وإذا انخدع لهذا التقييم، وكبر في نفسه لأن أحداً رأي فيه خطأ أنه كبير دلَّ على خفّة رأيه ونفسه، وأن ليس له من الرأي ما يقاوم به المؤثرات.