محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٣ - الخطبة الثانية
لنزعة التحكّم، والاستفراد، وتخلّيهم عن منهج الله لما شَقِيَت الأرض بأهلها، ولما نَشَبَت كلّ هذه النزاعات والحروب، وتمزّقت المجتمعات، وحتى المجتمع الواحد.
والسُّلطة من شأنها أن تستخفَّ النفس، وتزيدَ من درجة الغرور، وتُنسي الحقّ، وتُوقعَ في الباطل، وتُريَ النفس حجمًا غير حجمها، وتَجرَّ للبَطَر، وتستحِثَّ على الفساد. كلُّ هذا تفعله مواقع التسلُّط التي تُهيمن على النفس وتأسرها إلّا أن تُقابَلَ برصيد كبير ضخم من العقل والحكمة والتدبُّر والتذكُّر والدّين والتقوى.
ولذلك لا يملأ مواقع السُّلطة في نظر الدّين وإن اختلفت مستوياتها إلا من كانت له رجاحة دين، وعقل، وخبرة، وخُلُقٍ قويم.
ويوم يتخلّى أهلُ السلطة في أيّ بلد تسوده الاضطرابات، وتعمُّه المفاسد عن استئثارهم واستكبارهم، ويخلو البلد من قِوى موالية أو حتّى معارضة همها التسلُّط يعود إلى انضباطه وأمنه واستقراره وصلاحه، ويستمرُّ في خطّ تقدّمه وانتعاشه.
حين تُصِرّ أيُّ سلطة في أيّ بلد على أن تكون كلَّ شيء، وأن يكون غيرُها لا شيء، وأن يكون لها كلُّ شيء، وليس لغيرها شيء فلا بد من نزاع، ومن فتنة، وفوضى واضطراب، واحتراب.
وهو الأمر الذي يُرهق الجميع، ويقضّ مضجع الجميع، ويدخل بنتائجه المؤلمة المضنية على الجميع، ويُحيل حياتهم إلى جحيم.
والحلُّ يتطلّب ما تعجز عنه أغلبُ السلطات. الحلُّ يتطلّب انتصارًا على النّفس، قهرًا لتطلُّعاتها غير السويّة، قمعًا لمطامعها المهلِكة، تمرُّدًا على طغيانها الجارف، قرارًا حاسمًا بنقل المعركة مع الغير إلى المعركة مع النفس حتى تُغلب وتُقهر وتُصرع.