محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٥ - الخطبة الأولى
ومن استولت عليه لحظةُ الحاضر وحجزته عن دروس ماضيه خَسِرَ عطاء تجاربه مما لا غِنى له عنه، وعاد كأنّه طفل من ناحية فقد التجارب، وكان على ما عليه الطفل من فجاجة، وحاجة إلى التسديد والتوجيه والإرشاد، فإنّ التجارب عقل ثان- كما في الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام- لا غنى عنه للإنسان، فقوّة الإدراك التي يتمتع بها هذا المخلوق لا تفي بحاجته بلا عطاء التجارب، فحيث يخسرها تُوقِعه خسارته هذه في النقص الذي يربك حياته، ويجرّ إليها الفوادح.
وفي ما يَمسّ الإنسان من ضُرٍّ، وما ينتابه من مصائبَ يَشْعُر معه بالحاجة الضَّاغطة إلى الله، المجلّية له ضعف نفسه، وأنْ لا شيء منها أو من غيرها من دون الله عزّ وجلّ له القدرة على إنقاذها من المأزق، والخروج بها من الورطة، والإنقاذ لها من الهلاك أغنى التجارب وأعلاها وأثمرها وأكبرها جدوى حيث تنقل النفس من الضَّلال إلى الهدى، ومن التّيه إلى الطّريق، ومن الملتوِيات إلى الجادّة، وتعتِقُها من كلّ سوئها وبلواها.
ومما عليه طبيعة الإنسان، وبمقتضى نقصه، ومحدوديّته وفقر ذاته أن ينسى هذه التجارب من تجارب حياته، فيخسرَ عطاءَها الثرّ، ويذهب من قلبه نورها فيضلّ ويغوى ويستسلم لجاهليته من جديد.
وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ [١].
[١]- ٨/ الزمر.