محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٦ - الخطبة الثانية
فيأتي على هذا الأساس تصميمُ الحوار معيبًا، غير عادل، ولا يحمل عوامل النجاح، ويأتي التحايل، ومحاولات الهبوط بمستوى الإصلاح إنْ كان إلى أقصى حدٍّ ممكن، والتسويف والتعطيل، والهروب من ضمانات التنفيذ، والاقتصار على أن تكون المخرجات على مستوى التوصيات بَدَلَ أن تكون على مستوى النصوص الدستورية ٢٣.
والوسيلة في التقابل بين الإرادتين في حلبة الحوار هي الكلمة بمستوياتها المختلفة.
وتتقابل إرادة الإصلاح الحقيقي وإرادة التعطيل في حلبة أخرى يشهدها الشارع. الوسيلة في هذا التقابل عند الشعب في طابعها العام حناجر الحشود الهائلة المنطلقة بالمطالبة بالإصلاح والحقوق، ووسيلة السلطة فيه الغاز المسيّل للدموع، والرصاص المطاطي، والرصاص الانشطاري، والرصاص الحيّ، ويأتي استشهاد الفتى حسين بن علي بن أحمد الجزيري في ذكرى الرابع عشر من فبراير شاهدًا صارخًا على تغليب لغة العنف عند السلطة على لغة الحوار. ومع الفارق الكبير فإنّ وسيلة الكلمة عند الجماهير المعارضة وفي الشارع محافِظة على صمودها وإصرارها مع ما تتلقّاه هذه الجماهير من كُلفة باهظة.
وإذا تبيّن أن الحوار خدعة أو مزحة كما يظنّ الكثيرون فلن يَجُرّ بطبيعته هذه إلّا إلى تعميق الخلاف، وإلهاب الفتنة، وزيادة الشّرْخ، وتركيز المحنة، واشتداد الكارثة.
حوارٌ من هذا النوع سيقضي على أيّ أمل في اللقاء على حلّ الأزمة، فلا يبقى من سبيلٍ إلّا الإمعانُ في الخصومة والصّراع والتغالب وفي ذلك مهلكة الوطن.
إنّ تبيُّن كون الحوار خدعة أو مزحة سيكون شرًّا ألفَ مرّة من عدم الحوار ٢٤ لأنّ حوارًا من هذا النوع يحدث للمرّة الثانية قد يسدّ البابَ أمام كلّ فرص الحوار، ويُحوِّل هذه المسألة إلى أمرٍ مستحيل، ويجعل الإقدام على الدخول فيها ممتنعًا شعبيًّا على مستوى عامّ شامل ٢٥.