محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٦ - الخطبة الأولى
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي ما من شيء في الكون إلا وهو آية من آياته، وبيّنةٍ من بيّناته. في كل شيء من خلقه دليل على علمه، وبرهان على حكمته، وعظيم قدرته، وجميل امتنانه ورحمته.
كل الموجودات من عطائه، وكل ما لها من أثر تحت هيمنته، ولا يخرج عن إرادته.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
عباد الله ما أوجب تقوى الله. ولقد سعد من أخذ بها، وشقي من تخلّى عنها حيث لا طريق لفلاح على خلافها، وليس من مهرب عن الشقاء لمن صدّ عنها.
ومن اتقى الله اجتنب ظلم العباد، ونأى عن البغي في الأرض، فالله سبحانه يُبغض الظلم، ولم يرخّص فيه لأحد أبدا، وهو العدلً الذي لا يعدِل عدلَه عدل عادل.
وكيف يقدم على الظلم من يتقى الله وهو يقرأ قوله تعالى:" وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ. فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ. لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ" ١.
وقوله تعالى:" الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ" ٢؟!
وهل لقلب يعمر بتقوى الله أن يجد ميلا لظلم، ويسهل عليه الاثم؟! إنه لا يقيم على الظلم إلا قلب فارق التقوى، ولا يَقْربُه إلا من غفل عن ذكر الله.