محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٤ - الخطبة الأولى
ولا يغسل النفس من أدرانها، ويُزيل عنها ما أوقعتها فيه الذنوب من الظُّلَم، وألصقته بها من القُبْح، ويُعيد لها الطهارة والنظافة والوضاءة إلّا التقوى، والعودة إلى الحقّ، والأخذ بالرُّشد، وطلبُ مرضاة الله بالجدِّ في طاعته، والإخلاص في عبادته.
في كلمةٍ عن أمير المؤمنين عليه السلام:" أوصيكم عباد الله بتقوى الله ... وأشعروها قلوبكم، وارحضوا بها قلوبكم ... ألا فصونوها، وتصوّنوا بها" ١.
فَرَحْضُ القلوب وهو غسلها إنما يكون بماء التقوى، ولا صيانة للقلوب عن القذارة والتلوّث والفساد إلا عن طريقها. وفي صيانة التقوى صيانة للقلوب، وفي إهمالها عَطَبُها. القلب الذي تغمره التقوى لا مكان للقذارة فيه، بعيدٌ عن الرِّجْس، بريءٌ من التلوّث.
يا من لا حول ولا قوّة إلا به ارزقنا من معرفتك وتقواك ما يُخلِّصنا من كلِّ قبيح، ويُخرجنا من كل قذارة ورِجْس ووضاعة، ويزيننا عندك، ويرفع قدرنا لديك يا أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
أما بعد أيها الأعزاء من الإخوة والأخوات المؤمنين والمؤمنات فإلى عنوان:
الإنسان واليوم الآخر:
إنّه ليس لأحدٍ أن ينفيَ اليومَ الآخر لأنه غيب لا طريق له إلى نفيه، فأكثر ما يمكن لإنسان أن يدّعيَه أن اليوم الآخر محتمل ولا يقين له به. فمن كان محجوباً قلبُه، منغلقة روحُه لا يستقبل إخبارَ الدين، ودلالة آياته، وإيحاءات الفِطرة، وإشارات العقل باليوم الآخر، ولا طريق له للتسليم بذلك اليوم. أما أن يطّلع على الغيب فلا يجد فيه مكاناً لذلك اليوم فذلك أمر مستحيل، ولا يمكن أن يدّعيَه إلا كاذب. وكفى هذا القلب المحجوب بظلمات ذنوبه أن يحتمل اليوم الآخر فيتوقّى محذوره، ويطلب مرغوبه لما عليه ذلك