سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٣١ - الإمام علي بن الحسين في المدينة
فقال: لا تلوموني فإن يعقوب النبي (ص) فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه، و قد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي قتلى على رمال كربلاء أ فترون حزنهم يذهب من قلبي.
و روى ابن شهر اشوب عن الإمام الصادق (ع) أنه ما وضع بين يديه طعام الا بكى فقال له مولى من مواليه: جعلت فداك يا ابن رسول اللّه إني أخاف أن تكون من الهالكين، فقال: إنما أشكو بثي و حزني إلى اللّه و أعلم من اللّه ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصارع بني فاطمة إلا و خنقتني العبرة.
و روى الصدوق في الخصال أنه بكى على أبيه عشرين سنة و قال له مولاه: أ ما آن لحزنك أن ينقضي، فقال له: ويحك، إن يعقوب النبي كان له اثنا عشر ابنا فغيب اللّه عنه واحدا منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه و شاب رأسه و احدودب ظهره من الحزن و ابنه حي في دار الدنيا و أنا نظرت الى أبي و أخي و عمي و سبعة عشر رجلا من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني، و قد اشتهر عنه ذلك بين الرواة و بين كل من تعرض لسيرته و تاريخه، و كان مع ذلك لا يترك مناسبة الا و يذكر فيها ما جرى لأبيه و أسرته في كربلاء، و أحيانا كان يطلب المناسبة و يبحث عنها ليحدث بما جرى على أهل بيته، فيذهب إلى سوق الجزارين في المدينة و يقف معهم يسألهم عما إذا كانوا يسقون الشاة ماء قبل ذبحها، و عند ما يسمعهم يقولون: انا لا نذبح حيوانا قبل ان نسقيه و لو قليلا من الماء يبكي و يقول: لقد ذبح ابو عبد اللّه غريبا عطشان فيبكون لبكائه حتى ترتفع الأصوات بالنحيب و يجتمع الناس عليه.
و كان إذا رأى غريبا في الطريق دعاه الى ضيافته و طعامه، ثم يبكي و يقول: لقد قتل أبو عبد اللّه غريبا جائعا عطشان في طف كربلاء إلى غير ذلك من المواقف التي كان يقفها في السنين الأولى بعد مقتل أبيه ليشحن النفوس بالحقد على الظالمين و الكراهية ليزيد و دولته و يهيئها للثورة عند ما يحين وقتها، و قد ساهمت عمته زينب الكبرى في هذا النوع من التحرك السياسي المغلف بهذا اللون من الحزن المثير لعواطف الجماهير و غضبها و نقمتها على