فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٨ - نظريّة الخطابات القانونية الشيخ أبو القاسم المقيمي
الجواب :
إنّ في الخطاب القانوني يتوجّه الخطاب إلى العناوين العامة والموضوعات الكلّية كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فإنّ ما هو مورد الخطاب عنوان واحد وهو ( الناس ) أو ( الذين آمنوا ) ، بمعنى أنّ خطاب الكثير لا يتكثّر ولا يتعدّد وكان الخطاب واحداً وطرف الخطاب متعدّداً بتعدّد المخاطبين ، فيوجه المولى الخطاب الواحد إلى عامة المكلفّين ، ولا يلزم منه انحلاله إلى الخطابات الشخصية ، بل الخطاب معنى جزئي حرفي قائم من المخاطِب ـ بالكسر ـ وصادر منه وله معنى وحداني في حال الخطاب ، ولكن متكثّر بلحاظ ذات العنوان وانطباقه ؛ لأنّ المقنّن يتصور القانون الكلّي ويصدّق بفائدته للمكلّفين فيريد التقنين والجعل ، ولمّا علم بالانطباق القهري للعنوان على مصاديقه يتوجّه الخطاب إليهم بالعنوان ، ولهذا الانطباق القهري يشمل الحكم جميع المكلّفين .
فعلى هذا كلّ فرد من أفراد الانسان بما أنّه إنسان أو بما أنّه مؤمن ينطبق عليه الحكم الوارد على العناوين والموضوعات الكلّية ، وبهذا الاعتبار يمكن انطباق الخطاب الواحد على الكثير ، ولكن لا تستلزم هذه الكثرة كثرة في نفس الخطاب وكثرة في ناحية جعل الحكم حتى انحلالاً ، ولم يلحظ المقنّن حين الجعل حال كلّ واحد واحد منهم بنحو العموم لينحلّ الخطاب الواحد إلى خطابات عديدة ، حتى يلزم أن يكون جامعاً لجميع الشرائط المعتبرة في صحة توجيه الخطاب الشخصي الفعلي ، بل الخطاب القانوني بمبادئه تعلّق بالجميع على نحو بحيث لا استهجان في عدم انبعاث بعضهم ، وبهذا الانطباق يصح توجّه التكليف إليهم ، ويختصّ كلّ واحد منهم بالحكم المخصوص به ، فيمكن لهم الوفاء بالعقود ، ويتمشّى منهم قصد القربة في العبادات ، ويتمّ بذلك حجيّة الحكم بالنسبة إلى الجميع . فيندفع بهذا البيان جميع الإشكالات المطروحة من جانب عدم إمكان توجّه الحكم إلى المكلّفين إذا وقع على العناوين (٩٠).
(٩٠)انظر : جواهر الاصول ٣ : ٣١٨ـ ٢١٩.