فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٦٦ - نظريّة الخطابات القانونية الشيخ أبو القاسم المقيمي
الجواب :
إنّه لا يمكن دفع الإشكال بناء على مذهب عدّة من القائلين بالانحلال كالشيخ الأنصاري ـ الذي نسبه إلى المشهور ـ وبعض من تأخّر عنه ، من كون الأحكام الوضعية غير متأصّلة في الجعل ، بل إنّها منتزعة من الأحكام التكليفية في موردها ، فلا يكون الخمر التي في أقصى بلاد المغرب بالنسبة إلى من يكون في أقصى بلاد المشرق نجسة ؛ لأنّها غير محرّمة عليه ، لعدم ابتلائه بها ، ولكنّه نجس بالنسبة إلى من يكون مبتلى بها ، فيكون الحكم الوضعي نسبياً ، ولا يكاد يلتزم به أحد .
وأمّا بناء على المسلك الآخر من تأصّل الأحكام الوضعية في الجعل كالأحكام التكليفية ـ كما صرّح به المستشكل وكثير من المحقّقين ـ فيمكن أن يقال : إنّ الأحكام الوضعية وإن كانت غير منتزعة من التكليفية ، إلاّ أنّه لا بدّ من الالتزام بأنّه لا يكون الشيء نجساً إلاّ لأجل ترتّب الأثر عليه ، فجعل الطهارة للماء مثلاً لجواز الوضوء والغسل ونحو ذلك وكذا جعل النجاسة للدم لأجل وجوب الاجتناب عنه ، ولا معنى لجعل النجاسة من دون أن يترتّب عليه أثره ، فإذا خرج النجس عن محلّ الابتلاء فلا يجب الاجتناب عنه ، ومع عدم ترتّب الأثر ـ أي وجوب الاجتناب عن النجس ـ لا معنى لجعل النجاسة ، فحينئذٍ إذا كان ترتّب الآثار ملحوظاً شخصاً فشخصاً فلابدّ من اختصاص جعل الطهارة أو النجاسة بالنسبة إلى شخص دون شخص ، فيلزم أن يكون الحكم الوضعي نسبياً . وقد عرفت أنّهم غير ملتزمين به (١٠٢).
هذه أهمّ الإشكالات التي أوردت على أساس النظرية ، وبعد الجواب عنه وتوضيح مقصود الإمام من الخطاب القانوني لا حاجة الى إيراد سائر الإشكالات المطروحة التي يمكن جوابها أيضاً ممّا تقدّم ، مع أنّ المستشكلين لم يجيبوا عن أكثر المحاذير التي أوردها الامام على القول بالانحلال .
(١٠٢)اُنظر : جواهر الاصول ٣ : ٣٢٠ـ ٣٢١.