فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٩٠ - البراءة من المشركين تنظير في فقه الامام الخميني (قدس سره) الشيخ قاسم معدّل الإبراهيمي
وضمير الخطاب الوارد في الآيات ناظر إلى جماعة المسلمين من وجد ومن هو موجود أو سيوجد ، فكأنّ اللّه سبحانه وتعالى قال : يا أيها المسلمون المتواجدون على طول التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل كلّ عهد عاهدتم به المشركين أو ميثاق أبرمتموه معهم فليس بمشروع في الإسلام ، وأنا ورسولي منه بُرآء .
لكن الجواب المذكور غير تامّ ، إذ قد فرض للعهود المذكورة أجلاً معيّناً أمده أربعة أشهر من حين الإعلان للبراءة ممّا يعني إرادة عهود خارجيّة محدّدة ، وإنّما فرض الأجل المذكور لإنهاء العمل بموجبها من الطرفين ، وبدء تنفيذ قرار البراءة ، فلو كان المراد من العهود أيّ عهدٍ وإن كان مفروض الوقوع في المستقبل لم يكن ثمّة معنى لتأجيل سلب المشروعية عنه بالأجل المفروض ، مع فرض تقدّم حكم البراءة على انعقاده بما يزيد على تلك المدّة وذلك الأجل بزمان طويل ، بل المفروض أن يقع مسلوب المشروعية من حين انعقاده ، فلابُدّ أن يكون المراد من البراءة من العهود في قوله تعالى : {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُم} العهود المنعقدة قبل نزول النصّ المذكور ، وبه تتحول القضية والحكم الوارد فيها إلى قضيّة خارجية .
ثانياً: بأنّ ظاهر الآيات وإن كان دالاًّ بالمطابقة على ورودها بخصوص معاهدات خاصّة ومعاهدين معيّنين ، لكنّها تدلّ بالالتزام على براءة اللّه ورسوله من كلّ عهد وميثاقٍ للمسلمين مع المشركين سبق زمان النصّ أو ضارعه أو لحقَه ؛ لما سلف منّا بيانه من أنّ المقصود إزالة ما بين المسلمين والمشركين من علائق وتعهّدات تحول دون جهادهم ، وتمنع من مقاتلتهم ، وتفرض لهم عصمة وحُصناً في الدم أو العرض أو المال ، وهذا ما تدلّ عليه الآيات بوضوح حيث رتّبت على ذلك جواز أخذهم وقتلهم والترصّد لهم بقوله تعالى : {فَإِذَا انسَلَخَ الْْإَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} (٢٨).
(٢٨) التوبة : ٥ .