فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٤ - لمحات حول المدرسة الأصولية للإمام الخميني (قدس سره) الشيخ أحمد المبلّغي
ومعرفة مصدر ومنشأ هذين الرأيين هو محلّ بحثنا ، فنقول :
إنّ التفاوت بين هذين النظرين في الواقع ينشأ من التفاوت بين منهجين أصوليين : المنهج الذي يتبنى النظر العرفي ، والمنهج الذي يتبنى النظر العقلي ، فالذين آمنوا بنظرية ( تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ) فإنّهم نظروا إلى عمل العرف هذا بمنظارٍ عقلي ؛ أي أخذوا بنظر الاعتبار التحليل العقلي الذي يفرّق بين القطع والظنّ وأيضاً أخذوا التفات العرف لذلك أمراً مسلّماً ، ثم تصدّو للجواب عن هذا السؤال ؛ لماذا اعتبر العرف الظن كالقطع رغم التفاته الى التفكيك العقلي بينهما ؟ وانتهوا إلى هذه النتيجة ، وهي : إنّ العرف يتنزل نوعاً ما عن حكم العقل ، فينزّل الظن منزلة القطع .
وبناءً على هذا التحليل ، فالتنزيل العرفي مسبوق بالتفات العرف إلى التفكيك العقلي بين القطع والظن .
إذن ، فتحليل هذه المجموعة ينشأ من نظرهم العقلي إلى عمل العرف ( جعله الأمارة حجّة ومعتبرة ) .
وفي مقابل ذلك الامام الخميني ؛ فإنّ تحليله لعمل العرف في اعتباره الأمارة لم يبدأ من التفكيك العقلي بين القطع والظنّ ، ولم يكن بحاجة إلى الحكم العقلي ، بل حلّل عمل العرف بتحليل عرفي ؛ أي إنّ الامام وكبقية المحلّلين ، يفترض نفسه من العرف ويقوم بتحليل عمل العرف بالنسبة إلى الأمارة من مقام عرفي ، فيحصل على هذه النتيجة ، وهي : إنّ العرف يرى أنّ الأمارة طريق ، لا أنّه يعتبرها حجة من باب التنزيل .
وفرق بين ( ما يراه العرف معتبراً ) وبين ( جعل الاعتبار ) ، قال الإمام : « أمّا بناء العقلاء بالعمل بالأمارات ، فليس وجهه تنزيل المؤدّى منزلة الواقع . . . بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم وسياساتهم ، من غير تنزيل واحد منها مقام الآخر ، ولا الالتفات إلى تلك المعاني الاختراعية