الدروس الشرعية في فقه الإمامية - الشهيد الأول - الصفحة ٦٩
احتل (الشهيد) في المدة التي عاش فيها بدمشق مكانة اجتماعية راقية فكان موضع حفاوة الطبقات المختلفة، و اكتسب شعبية كبيرة، و أصبح ملجأ للناس في حاجاتهم، و للعلماء في التدريس (سنة و شيعة)، كما التف حوله كثير من أقطاب السياسة و الحكم في دمشق، و خارج دمشق.
و استطاع أن يتجاوز بنفوذه الروحي و الإسلامي حدود (سوريا و العراق) و يشد الملوك و الحكام من الأطراف اليه، كان منهم (علي بن مؤيد) ملك (خراسان) فيما يحدثنا به التأريخ.
و لا يستطيع الباحث أن يقول: إن اتصالات (الشهيد) السياسية كانت مقتصرة على الزعماء السياسيين في (دمشق و العراق و إيران) و إنما كان ذلك نموذجاً من اتصالات الشهيد بزعماء الدول الإسلامية في وقته احتفظ لنا التأريخ، و لم يضع معالمه.
ذلك كله يدلنا على أن (الشهيد) استطاع أن يحقق لنفسه في هذه المدة مكانة سياسية و اجتماعية خطيرة جعلت حكومة (بيدمر) بدمشق تخشاه و تحسب له ألف حساب.
فقد كانت الحكومة يومذاك ضعيفة تخاف كل حركة داخل البلاد و خارجها، به خافت على نفسها منه فحاولت أن تقضي عليه لتأمن جانبه.
هذا من الجانب السياسي، و من الجانب العلمي كان علماء البلاط (القضاة) يومذاك قبل هجرة الشهيد الى دمشق و تمركزه فيها لهم مكانة اجتماعية و دينية بين الناس، فحين عرف الناس مكانة الشهيد، و ألفوا سعة صدره التفوا حوله و انحسروا عنهم، فضعفت مكانتهم الاجتماعية، و وجدوا في بقاء (الشهيد) خطراً على مصالحهم و مكانتهم.
و كان من هؤلاء العلماء (برهان الدين ابن جماعة) [١] كان رجلًا من
[١] ذكر العلّامة الأميني في شهداء الفضيلة ص ٨٧: أنّه قتل بفتوى برهان الدين المالكي، و عباد بن جماعة الشافعي.
و في غالب الظن أنه اعتمد في ذلك على نقل صاحب الروضات حيث ذكر ص ٥٩٢: «بفتوى المالكي يسمّى برهان الدين و عباد بن جماعة الشافعي».
و فيما أظن أن برهان الدين، و ابن جماعة شخص واحد و ليسا باثنين و اسمه الصحيح برهان الدين بن إبراهيم بن جماعة الكناني، فلم أعثر فيما بين يديّ من المصادر على قاضيين في هذا العهد بدمشق بهذا الاسم، و الموجود في كتاب قضاة دمشق لشمس الدين ابن طولون هو (برهان الدين إبراهيم بن جماعة) و كان قاضي دمشق سنة شهادة الشهيد. فيغلب على الظن أن يكون هذان الشخصان شخصاً واحداً و ليسا بشخصين.