الدروس الشرعية في فقه الإمامية - الشهيد الأول - الصفحة ١٤
بعد ما أصيبت (بغداد) بنكبة (المغول) و شردوا أهلها و أمعنوا في التدمير و الخراب [١]، فهاجر العلماء من بغداد إلى الحلة و انتقلوا إليها و ألقوا فيها رحالهم، فكثرت فيها المدارس و المكاتب و حفلت العلماء، و أصبحت مركزا مرموقا من مراكز الحركة العقلية في الأوساط الإسلامية.
و لو لا وجود (الحلة) بجوار (بغداد) و انتقال بقايا الحركة العقلية من بغداد إلى الحلة و عناية (المحقق الطوسي) و تلميذه (العلامة الحلي) و ولده (فخر المحققين) بشؤون الفكر الإسلامي، و المحافظة على ما تبقى من الثقافة الإسلامية، لما بقي لنا شيء من هذا التراث الفكري الضخم الذي نتداوله اليوم فيما بين أيدينا من كتب الفقه و الحديث و التفسير و العلوم العقلية و الأدبية.
١- فخر المحققين:
و في هذه الفترة من ازدهار الحركة العقلية، و النشاط الثقافي بالحلة انتقل الشيخ الشهيد، و هو بعد شاب لم يتجاوز دور المراهقة إلى هذه المدينة، و اتصل بالعلامة فخر المحققين [٢] ابن العلامة الحلي، و حضر دروسه و أبحاثه، و درس
[١] قال مؤلف تاريخ العراق بين احتلالين:
و أثناء حصار بغداد كان قد أتى نفر من العلويين و أعاظم أهل الحلة و علمائها فالتمسوا أمانا من هولاكو فأرسل إليهم (بوكله) و أمير نجلى النخجواني، و أرسل في أثرهم بوقاتيمور و هو أخ أولجاي خاتون ليمتحنوا إخلاص أهل الحلة و الكوفة، فاستقبلوهم و جيوشهم استقبالا باهرا، و نصبوا جسرا على الفرات لعبورهم، و فرحوا بوصولهم، و أظهروا مزيد السرور، رأى بوقاتيمور إخلاصهم و ثباتهم فرحل. تاريخ العراق بين احتلالين الجزء ١ ص ٢٠٥- ٢٠٦.
[٢] فخر المحققين أبو طالب محمد بن حسن بن يوسف بن المطهر من وجوه الطائفة و أعيانها، رزق حظا وافرا من العلوم العقلية و النقلية و نشأ على يد أبيه (العلامة الحلي)، و قرأ عليه مختلف العلوم العقلية و النقلية، و بلغ مرتبة الاجتهاد أو ما يقرب منه و هو لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، أكمل بعض كتب والده العلامة الحلي كالألفين و غيره، و شرح البعض الآخر كالقواعد.
و قد أثنى عليه علماء الطائفة ثناءا بالغا مما يدل على علو مقامه و سمو مكانته.
قال عنه الشيخ الحر العاملي: كان فاضلا محققا فقيها ثقة جليلا و قال عنه مؤلف روضات الجنات:
زين المجتهدين شيخنا الغالب أبو طالب محمد بن العلامة جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي الملقب عند والده بفخر الدين، و في سائر مراصيده و موارده بفخر المحققين، و رأس المدققين، و حسب الدلالة على مكانته في العلوم الحقة، و نهاية جلالته في هذه الطائفة المحقة شدة عناية والده المسلم عند جميع علماء الإسلام و قيامه به، مع انه أبوه بحق احترامه و ثناؤه به، و دعائه له في كثير من مؤهلاته و مصنفاته، و التماسه الدعاء منه.
و قال المحقق القمي في حقه في الكنى و الألقاب، جزء ٣:
وجه من وجوه هذه الطائفة و ثقاتها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، كثير العلم، وحيد عصره، و فريد دهره، جيد التصانيف حاله في علو قدره، و سمو مرتبته و كثرة علومه أشهر من أن يذكر و كفى في ذلك أنه فاز بدرجة الاجتهاد في السنة العاشرة من عمره الشريف.
ولد ليلة ٢٠ جمادى الأولى سنة ٦٨٢ ه و توفي ليلة ٢٥ جمادى الثاني سنة ٧٧١ ه.