بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠ - و أمّا القسم الثاني من المحذور، فهو في دعوى التنافي بين الأحكام الظاهريّة و الأحكام الواقعيّة
موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و كلا هذين الجوابين تقدّم سابقاً.
و أمّا القسم الثاني من المحذور، فهو في دعوى التنافي بين الأحكام الظاهريّة و الأحكام الواقعيّة.
و في هذا القسم توجد ثلاثة اعتراضات لإثبات هذه الدعوى، اثنان منها مربوطان بمدركات العقل النظريّ، و الثالث منها مربوط بمدركات العقل العمليّ كما ستعرف.
الاعتراض الأوّل: هو أنّه يلزم من جعل الأحكام الظاهريّة مع انحفاظ الأحكام الواقعيّة، إمّا اجتماع الضدّين في فرض المخالفة، و إمّا اجتماع المثلين في فرض الموافقة، و كلاهما محال.
و هذا البرهان مربوط بالعقل النظريّ، بمعنى: أنّ هذه الاستحالة لا تتوقّف على افتراض حكمة المولى؛ فإنّ اجتماع الضدّين محال، من الحكيم و غيره، و أمّا وجه اللّزوم: فهو أنّ الحكم الظاهريّ هو في معرض الخطأ و الإصابة، فيكون في مورده حينئذٍ حكم واقعيّ مضادّ أو مماثل بعد البناء على عدم التصويب.
الاعتراض الثاني: هو أنّه يلزم من جعل الأحكام الظاهريّة نقض الغرض المولويّ من الأحكام الواقعيّة المجعولة؛ لأنّ الحكم الظاهريّ في معرض تفويت الأغراض الواقعيّة التي هي مناطات التكاليف الواقعيّة، و نقض الغرض محال في حقّ المشرّع المهتمّ بأغراضه التشريعيّة.
و هذا البرهان أيضاً مربوط بمدركات العقل النظريّ، بمعنى: أنّ استحالة نقض الغرض لا يتوقّف على افتراض حكمة المولى، بل كلّ ذي غرض يستحيل أن ينقض غرضه، سواء كان حكيماً أو لا؛ لأنّ الغرض هو العلّة الغائيّة، و هي يستحيل تخلّفها عن معلولها مع التفات الفاعل و قدرته على تحقيقها.