بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٣١ - القول الأوّل هو التفصيل بين المقصود بالإفهام و غيره،
لمن قصد إفهامه، و أمّا من لم يقصد إفهامه، فلم تنعقد السيرة على العمل بالظواهر بالنسبة إليه.
و أُخرى يبيّن بتقريب و توضيح نكتة الفرق عقلائيّاً، بين المقصود بالإفهام و غير المقصود، فيُقال: بأنّ نكتة الفرق بينهما هي أنّ المقصود بالإفهام ليس هناك منشأ لاحتمال إرادة خلاف الظاهر بالنسبة إليه، إلّا خفاء القرينة عليه، بمعنى: أنّ المتكلّم إذا كان يريد خلاف الظاهر، فهو حيث إنّه قاصد للإفهام فإرادته للخلاف مع ذلك يساوق وجوب نصب قرينة على مراده، و إلّا، لكان كلامه على خلاف مقصوده، فالمقصود بالإفهام إنّما يحتمل إرادة خلاف الظاهر بسبب احتمال اختفاء القرينة و غفلته عنها، و إلّا، فلو فرض جزمه بعدم القرينة و عدم الغفلة، إذن، هو لا يشكّ و لا يحتمل إرادة الخلاف، و بأصالة عدم الغفلة ننفي القرينة، و بذلك يتعيّن أن يكون المقصود هو الظاهر، و إلّا، فيلزم أن يكون المقصود بالإفهام غير مقصود بالإفهام، و هو خلف.
و أمّا بالنسبة إلى غير المقصود بالإفهام، فلا يتعيّن أن يكون احتمال إرادة خلاف الظاهر ناشئاً من اختفاء القرينة المسبّب عن الغفلة عنها، بل لعلّ غير المقصود بالإفهام، لم يحصل له غفلة أصلًا، لكن مع هذا، نفترض أنّ المتكلّم تواطأ مع من كان يقصد إفهامه على إشارة مخصوصة يفهم بسببها المقصود بالإفهام فقط معنىً مخصوصاً، دون غير المقصود.
فإنّه لم يطّلع على هذا الطرز من وسائل الإفهام، و حينئذٍ: فمثل هذا الشخص غير المقصود بالإفهام لا يمكنه أن ينفي القرينة بأصالة عدم الغفلة؛ لأنّ احتمال القرينة مستند لما عرفت من التواطؤ مع المقصود بالإفهام.
و هذا الاحتمال لا يوجد ما ينافيه عقلائيّاً، و من هنا، كان الظهور حجّةً بالنسبة للمقصود بالإفهام فقط.