بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٦ - المقارنة بين الاستدلال بالسيرتين على حجّيّة الظهور
فرق بين هذا و بين القطع العقليّ الحاصل بعد الالتفات إلى تمام النكات و الإحاطة بجميع البيانات الصادرة من الشارع.
و تارةً أُخرى يُستدلّ بهذه الرواية على محلّ الكلام، حيث يُقال: بأنّه قد لا يحكم العقل بما حكم به أبان بن تغلب؛ إذ لعلّ هناك حكمة اقتضت التسوية بين المرأة و الرجل، و قد يكون هناك مصلحة في جعل هذه التسوية بنحو الموجبة الجزئيّة؛ إذ كما أنّه في باب الميراث جعل للذكر ضعف ما للأنثى، فكذلك سوّى في الميراث بين الإخوة و الأخوات من طرف الأمّ فقط، و هكذا في كثير من موارد الإرث، و إنّما ميّز الذكر عن الأُنثى في جانب الأخوة من الأب، فلم يكن التفضيل للذكر بما هو ذكر على المرأة بما هي مرأة، إذن، فبمر العقل، من الجزاف أن يُجزم ببطلان مثل هذا الحكم، كما يجزم بحسن العدل و بقبح الظلم.
لكن لا إشكال في أنّ هذا المطلب عرفيّ، فإنّ العرف حينما يُقال له: إنّ من يقطع ثلاثة أصابع عليه ثلاثون من الإبل، فيفهم من ذلك بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة أنّ من يقطع أربعة أصابع ليس عليه أقلّ من ثلاثين، بل أكثر في الجملة، فهذا دليل التزاميّ عرفيّ، و الإمام (عليه السّلام) إنّما زجر أبان بن تغلب و عاتبه على العمل بهذه الدلالة الالتزاميّة العرفيّة، و سمّاها قياساً، و هذا معناه: أنّ العمل بالقياس المحرّم يشمل الدلالات الالتزاميّة العرفيّة، و هذا هو معنى وقوع الردع عن قسم من الظواهر، و هو ما يسمّى بالدلالات الالتزاميّة العرفيّة.
و الحاصل هو أنّه قد يستدلّ تارةً أُخرى في محلّ كلامنا بهذه الرواية لإثبات الردع عن الظهورات العرفيّة الحاصلة من ملازمات عرفيّة، فإنّ الملازمة المذكورة و إن لم تكن ثابتة عقلًا إلّا بنحو