بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٥٥ - التقريب الثاني هو أن يُستدلّ بالسيرة العقلائيّة،
و بعد تصحيح كلا الوجهين السابقين لتقريب السيرة العقلائيّة، حينئذٍ: نمشي وفقاً للمنهج المتقدّم في كيفيّة الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على الحكم الشرعيّ، حيث قلنا: إنّ الاستدلال بها يكون بلحاظ الإمضاء، و الإمضاء يُستكشف من عدم الردع، و عدم الردع يُستكشف من عدم وصول الردع.
و هنا أيضاً نقول: إنّ السيرة العقلائيّة بكلا وجهي تقريبها ممضاة شرعاً؛ لأنّ عدم الردع عنها يدلّ على الإمضاء.
و قد بيّنّا في بحث السيرة ملاكين لدلالة عدم الردع على الإمضاء.
الملاك الأوّل: هو لزوم نقض الغرض، و هذا الملاك موجود؛ لأنّ سلوك الشارع على تقدير عدم رضاه بهذه السيرة يُعرّض أغراضه للفوات، فإذا لم يردع يكشف بملاك حفظ أغراضه و عدم نقضه لها، يكشف عن إمضائه لمدلول السيرة.
الملاك الثاني: هو ظهور حال الشارع؛ فإنّ الشارع باعتبار منصبه و مقامه، له ظهور حاليّ لسكوته، و هو ظهور حاليّ في الإمضاء، و هذا الظهور الحاليّ موجود في المقام بلا إشكال؛ فإنّ ظاهر حاله في المقام هو إمضاء مدلول السيرة.
بل لعلّه يمكن تقريبه: بأنّ إمضاءه من الظهورات اللّفظيّة المكتنفة للكلام، بل قد يُحسب بأنّه من أقوى الظهورات اللّفظيّ.
و ذلك بتقريب: أنّ نفس تصدّي الشارع لتفهيم أحكامه بكلامٍ يدلّ بالظهور على المعنى من دون تقييده بإبراز نصوص و عبارات صريحة، فنفس هذا استقرار لبناء الشارع على التكلّم بكلامٍ له ظهور، فظاهر حال مثل هذا المتكلّم أنّه يبني على مرجعيّة الظهور في مقام التعامل مع الآخرين؛ لأنّ هذا هو شأن من يُلقي هذه الكلمات الفاقدة